الصفحة 344 من 3812

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى (2)

جمعهها وأعدها

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

التلازم بين العقيدة والدعوة

الحديث عن الدعوة ذو شجون؛ لأنك تقتفي آثار المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في أعظم أعماله، بل الهدف من بعثته وهو دعوة الناس إلى الخير. والعجيب أن أكثر الناس يحرصون على ترسُّم خطاه في كل صغيرة وهذا حق، مثل: تحريك الأصابع في التشهد، أو الإشارة بها؛ وهذا هو الصحيح، ولكن لا يتصورون أن التأسي يكون في حركته الدعوية في المجتمع، وتنقُّله بين الديار والقبائل والمجالس حاملًا همِّ الدعوة إلى الله تعالى.

إنها مفارقة عجيبة تحتاج إلى تأمل!

وعندما نبحث عن الأسباب نجدها كثيرة، يهمنا هنا الجهل بالترابط الوثيق بين العقيدة والدعوة إلى الله تعالى، لذلك نحاول الربط بين الأمرين من خلال مسائل معينة، من أهمها في نظري:

أولًا: كلمة العقيدة كما نفهمها من لغتنا العربية تُفيد الربط والإحكام، كما قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان} [المائدة:89] . وقال عز وجل: {أوفوا بالعُقُود} [المائدة:1] . فكيف يُتصوَّر أن ينطلق إنسان من دعوة لم تنعقد بعدُ في قلبه بشكل واضح وقوي؟ لأن الدعوة كما أنها تشريف؛ فإنها تكليف بأعباء وأثقال لا يقوى عليها إلا من تربَّى تربية عميقة على العقيدة. قال تعالى - بعد الأمر بقيام الليل: {إنا سنُلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل:5] .

وهذه فرصة للتذكير بأحد جولات النبي صلى الله عليه وسلم الدعوية، من خلال الجهاد في غزوة أحد، حيث تجلت مواقف البطولة عند أصحاب العقيدة، وتكشفت صور النكوص والهزيمة عندما ضعفت العقيدة. أترك الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حول هذا، حيث ذكر بعد حصول رجوع رأس النفاق (عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول) :"انخذل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء المضروب به المثل. فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام".

إذن طريق الدعوة طويل يحتاج إلى طول نفس وعمق في العقيدة، نسأل الله الثبات والإعانة.

ثانيًا: إذا لم تكن العقيدة واضحة في ذهن الداعية، فإلى أي شيء سيدعو الناس؟! .. هل سيدعوهم إلى قضايا وهمية؟ أم تناقضات عقلية؟ .. فما أجمل قوله عز وجل: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف:108] .

لذلك رتب النبي صلى الله عليه وسلم الأولويات عند معاذ - رضي الله عنه - فقال: (وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) .. وهذا الترتيب الشرعي في الدعوة يؤدي إلى قبول الناس للدعوة، والعمل بمقتضاها من التشريعات والأحكام، وهذا مثل جذور الش

اهدنا الصراط المستقيم

في كتابه الماتع"هموم داعية"كتب الشيخ محمد الغزالي ـرحمه الله ـ مقالا في غاية الأهمية مع غاية الروعة تحت عنوان"على مسار الدعوة"وضح فيه أسسا للداعية ينبغي أن يجعلها قواعد، ومنهجا ينبغي أن يتخذه طريقا إذا أراد أن تؤتي دعوته ثمارها ويجتني الناس بعد ذلك أكلها... يقول رحمه الله:

نحن ندعو ربنا في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، والصراط المستقيم ليس خطًّا وهميا ينشأ عن هوى الأفراد والجماعات، وإنما هو حقيقي يرسمه من الناحية العلمية: القرآن الكريم، ومن الناحية العملية: الرسول الذي حمل الوحي وطبقه وربى جيلا من الناس على عقائده وشرائعه.

والتاريخ الإنساني يشهد بقوة ووضوح أن قافلة الإسلام لزمت هذا الصراط حينًا من الدهر، وأنها قدّمت للعالم نماذج حية في بناء الخلق والمجتمع والدولة.

نعم .. كان السلف الأول عابدين لله، ذوي بصائر ترنو إليه وتستمد منه، وتنضح بالتقوى والأدب في كل عمل يباشرونه.

وكانوا - إلى ذلك- خبراء بالحياة يسوسونها بالعدل والرحمة، ويقمعون غرائز التطلع والحيف، ويرفضون ما سبق الإسلام في ميدان الحكم من فرعونية وكسروية وقيصرية، كما يرفضون ما سبق الإسلام في ميدان التديّن من شرك أو تجسيد أو تعطيل.

إن الصراط المستقيم ليس وقوف فرد في المحراب لعبادة الله وكفى، إنه جهاد عام لإقامة إنسانية توقر الله، وتمشى في القارات كلها وفق هداه، وتتعاون في السرّاء والضرّاء حتى لا يذل مظلوم، أو يشقى محروم، أو يعيث في الأرض مترف، أو يعبث بالحقوق مغرور.

السلف هم القدوة

وقد وقعت خلال القرون الطويلة انحرافات دقيقة أو جليلة! وقبل أن نتفرس في هذه الانحرافات ونتحدث عن مداها نريد أن نقرر حقيقة مهمة: إن السلف الأول وحدهم هم مصدر الأسوة، وما أجمل ما جاء عن ابن مسعود -رضى الله عنه- حين قال:"من كان مستنّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة! أولئك أصحاب محمد (صلى الله عليه و سلم) كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".

إن بعض الذين ضاقوا بالانحرافات المعاصرة في العالم الإسلامي فكروا في العودة إلى الأمس القريب، أو إلى بضعة قرون مضت! فقلت لهم: لا.. مثلنا الأعلى في القرن الأول وحده، ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) :"إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".

معنى الاقتداء

والاقتداء بداهة ليس في ركوب الخيل والإبل، والحرب بالسيف والرمح!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت