الصفحة 345 من 3812

الاقتداء في التجرد والخشية وإيثار الآخرة!! أما تأمين الحقيقة فقد استحدثت له وسائل مدنية وعسكرية لا حصر لها، ويجب على حملة الرسالة إتقان هذه الوسائل..وقد بيّن أولو العلم ما يجب التزامه شكلا وموضوعًا من شئون العبادات المحضة أما غيرها فنسق آخر.

العدل هو العدل، ولكن ضمانات وصوله إلى ناشديه تكثر وتتغاير على مر العصور. والشورى هي الشورى بيد أن ضمانات التعبير عن الرأي وضمانات الوقوف أما الاستبداد تختلف باختلاف البيئات والملل.

وفي عصرنا هذا قامت أجهزة للدعاية تخدم شتى الملل والنحل بأساليب فاتنة، فإذا لم نسبقها ونسبق، ظلمنا ديننا، وأضعنا حقنا، وكان علينا وزر المفرطين.

الانحراف عن الصراط المستقيم

الصراط المستقيم إذن معروف بالعقل والنقل فلماذا يقع الانحراف عنه؟

والجواب: طبيعة البشر! إننا نخطئ وليس في ذلك عجب! ولكن العجب أن يبقى الخطأ وأن نُصرَّ عليه!!

والأعجب من ذلك أن يمضي البعض في طريق الانحراف وهو لا يدري! أو لعله يحسب نفسه على صواب..

وميلاد الانحراف خلقيّا كان أو اجتماعيّا أو سياسيّا يبدأ من نقطة ما، ثم يسير مشكلا مع الخط المستقيم زاوية حادة، فإذا قست المسافة بين خط الزيغ والخط المستقيم وجدتها قدر إصبع، ثم تمتد فتصير قدر شبر، ولا يزال الزمان يطيل المسافة بين الخطين حتى تصير قدر ميل أو أميال، ويكون البعد عن الحق شاسعًا!!

والانحراف المعيب لا يقع في مكان واحد بل قد تتعدد أسباب الميل، وتكثر المتعرجات التائهة، وتنحل عرا الإسلام عروة عروة بالصمت الجبان وترك الفتن تمشي حبلها على غاربها، بل إن معالم الصراط المستقيم تكاد تخفى مع توارث العوج وذيوع الجهل لولا أن الله سبحانه تعهد دينه بمن يجدد أمره، ويجلو بريقه، ويذود عنه الآفات..

إذا ذكرت كلمة"الدين"سبق إلى فكر الناس ما وراء المادة والبحوث الغيبية المحيرة في هذا المجال!!، فهل الأمر كذلك عندنا؟ كلا.

إن الفاتحين الأوائل ما أثاروا بين الشعوب قضية من هذا الطراز، لقد انطلقوا باسم الله الواحد ينقلون الجماهير من الظلمة إلى النور، من الظلم إلى العدل، من الخرافة إلى الحق فشغلوا الناس برؤية الميزان الذي أقاموه لكفالة معاشهم ومعادهم عن بحوث ما وراء المادة.

الكلام في العقيدة موجز مجمل: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهَ الأَسمَاءُ الحُسنَى) (طه:8)

والتفاصيل أعمال صالحة تبدأُ من إقام الصلاة وتنتهي بتنظيف الطرق! وتقصي من الحياة العامة أسباب الشكوى والهوان: (لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ) ( الحديد:25) .

ما ينبغى أن يهتم به العقل الإسلامى اليوم

كان السلف الذين حملوا الإسلام قديًما واقعيين يعرفون مراد الله بذكاء وينفذونه بدقة، والإسلام - كما نعرفه من كتاب ربنا وسنة نبينا- فطرة سليمة لا فطرة ملتاثة وتعاليم يعيها أولو الألباب لا أولو الثقافة القاصرة والأحكام البلهاء.

وقد أحس ورثة المدنيات القديمة أنهم أمام عقل أذكى من عقولهم، وخلق أنبل من أخلاقهم، وبر بالشعوب أوسع من برهم، وأدركوا أن صفحتهم يوم تطوى، فلكي يرى العالم صفحة جديدة أملا بالرحمة والعدل يخطها أولئك الذين رباهم محمد (صلى الله عليه و سلم) .

فهل كذلك الداعون إلى الإسلام في يوم الناس هذا؟

ــــــــــــــــ

انظر كتاب"هموم داعية"لمحمد الغزالي

وحي الشياطين

قسم الشيطان الرجيم بعزة رب العالمين بأنه سيضل عباد الله أجمعين إلا عباد الله المخلصين، وقد اتخذ الشيطان منذ ذلك الحين كل الأسباب التي يبر بها قسمه، فما من سبيل يضل بها الناس عن الوصول لرضا الرب تعالى إلا سلكها، ولا طربق تبلغه مراده إلا طرقها.. ومن أساليب الشياطين في إضلال الخلق ما يمكن أن نسميه"بالوحي الشيطاني"وهو ما أثبته ربنا سبحانه في كتابه العزيز بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: يا أبا ذر، هل صليت؟ قال: لا يا رسول الله . قال: قم فاركع ركعتين. قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ قال قلت:لا، يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" [وقد صححه ابن كثير بمجموع طرقه] ."

وعن عكرمة قال: للإنس شياطين وللجن شياطين، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.

ولما بلغ ابن عمر أن المختار الثقفي (الذي ادعى النبوة) يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق، يقول تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام:121] . وقال: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} . أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة.

صور الوحي الشيطاني

وهذا الوحي أحيانًا يكون في صورة تشكل فيكلم الشيطان الناس فعلًا.. كما روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت