الصفحة 346 من 3812

وقد يكون هذا الوحي وسوسة يريد من ورائها فتح باب الكفر والتشكيك وهز العقيدة في قلوب الخلق كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:"يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول من خلق ربك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته".

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:"لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله هذا فمن خلق الله، فمن وجد من ذلك شيء فليقل آمنت بالله".

وقد تكون وساوس لتكذيب الحق والوعد بالشر كما في قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268] "."

وقد يكون الأمر أعظم من ذلك. قال ابن القيم في إغاثة اللهفان:"ومن أسباب عبادتها (الأصنام) أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على ما يخفى عليهم، وهم لا يشهدون الشياطين، فجهلتهم وسقطتهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم والمخاطب".

وربما ظن بعضهم أنها أرواح أصحاب هذه الأصنام، وربما ظن آخرون أنها الملائكة فيزيدهم ذلك اعتقادًا في الأصنام، وتمسكًا بعبادتهم لها.

وقد كانت شيطانة تعيش في صنم العزى الذي كانت تعبده العرب فكانوا يسمعون منه صوتا. قال ابن عباس: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصر بأنيابها وخلفها ديبة السلمي، وكان سادنها؛ فقال خالد:

ياعزى كفرانك لا سبحانك.. ... .. إني وجدت الله قد أهانك

ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة وقتل ديبة السادن ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب.

ومن صور الوحي الشيطاني وأكثرها تغريرا بالخلق أن يكون الوحي وحيًا فعليًا، يوهم به الموحى إليه أنه نبي من عند الله، وأن هذا هو وحي الله إليه:

يقول عكرمة رحمه الله: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني حتى كان يتعاهد مبيتي بالليل. فقال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان. قال الله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} ، وقال تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا} . قال: فهموا بي أن يأخذوني. فقلت: ما لكم ذلك أنا مفتيكم وضيفكم فتركوني.

وهذا الوحي الإبليسي ستجده مع كل من ادعى النبوة كذبا وزورا

فطليحة بن خويلد الأسدي: كان ينهى أتباعه عن السجود ويقول: إن الله لا يصنع بتعفر وجوهكم وتقبح أدباركم شيئًا، اذكروا الله، اعبدوه قيامًا.

وجاء رجل من أصحابه إلى أبي بكر فقال له أبو بكر: ماذا كان يقول لكم؟ قال:"والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن ملكنا العراق والشام".

وعلى شاكلته كان مسيلمة الكذاب: قال ابن كثير في تفسيره:"ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة قبل أن يسلم عمرو فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم هذه المدة؟ فقال عمرو: لقد أنزلت عليه سورة وجيزة بليغة. قال: وما هي؟ قال: {والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} . فسكت مسيلمة برهة ثم قال: وأنا انزل عليَّ مثلها. قال عمرو: ما هو؟ قال الكذاب: ياوبر ياوبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ قال عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب."

وكان مما يقول: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين. (فأين هذا من مثل"والعصر"؟)

وقيل: جاء طلحة النمري إلى مسيلمة فسأله عن حاله؟ فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمته فقال: أشهد أنك كاذب وأن محمدًا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، فقتل معه يوم عرباء كافرًا.

وكان من وحي سجاح لأتباعها من بني تميم وهي متوجهة لليمامة لقتال مسيلمة: عليكم باليمامة، ذفوا ذفيف اليمامة، إنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ندامة.

فأتته فتزوجته وبقيت عنده ثلاثة أيام، فقال عطارد ابن الحاجب وكان من أتباعها

أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها .. ... .. وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا

ولما ظهر الميرزا علي محمد مخترع طائفة البابية زعم أنه أنزل عليه كتاب"البيان"من عند الله فنسخ القرآن. ومن نظر فيه علم فضائحه وسخافاته وأكاذيبه وقال: الحمد لله على نعمة الإسلام والشكر له على نعمة القرآن.

وعلى منواله نسج ميرزا حسين علي البهاء صاحب النحلة المنحرفة المسماة بالبهائية والذي زعم أن الله أوحى إليه بكتاب الأقدس.

يوحون إلي أوليائهم ليجادلوكم

ومن عجيب وحي الشياطين ما يلقونه على ألسنة أوليائهم ليجادلوا به المؤمنين، فمنه ما جادل به المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ وقيل إن فارس أرسلت به إلى قريش ـ كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه وما قتلتم أنتم تأكلونه، فأنزل الله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت