الصفحة 3670 من 3812

وقبل أن ندخل في تفاصيل ما قام به هؤلاء العلماء تجاه الحجاج؛ لابد أن نذكر بعض الآراء في مسألة عزل الحاكم الظالم الذي كثر فحشه، وأذاق الناس الويلات، وبدد أموال الأمة، فهل مثل هذا يسكت عنه ويترك حتى يعيث في الأرض فسادًا، ثم يبدأ الكلام والتحسر بعد (خراب البصرة) أم يُسعى لإزاحته وإراحة الناس منه، تطبيقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

تكلم العلماء في كتب السياسات الشرعية عن موضوع عزل الحاكم أو الخروج عليه لإعادة الأمور إلى نصابها، ويفهم من كلامهم أن هذا الموضوع مَرَّ بمرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة المتقدمة حين خرج الحسين بن علي على يزيد بن معاوية، وحين أراد عبد الله بن الزبير إعادتها خلافة شورية، وحين خرج العلماء مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج ابن يوسف. يرى العلامة ابن حجر العسقلاني أن مذهب السلف كان في البداية يرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة.

وفي رده على من ضعف المحدث الحسن بن صالح لأنه يرى السيف، قال ابن حجر: (قولهم كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم ولكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه) ، ويقول ابن حزم في رده على أبي عبد الله بن مجاهد البصري الذي ادعى الإجماع على تحريم الخروج على الظلمة: (ورأيت لبعض من نصب نفسه للإمامة والكلام في الدين فصولًا ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلام لو سكت عنه لكان أسلم له في أخراه، فإنه ذكر فيما ادعى فيه الإجماع أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرج على أئمة الجور، فاستعظمت ذلك، ولعمري إنه لعظيم أن يكون قد علم أن مخالف الإجماع كافر، فيلقى هذا إلى الناس، وقد علم أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يوم الحرة خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه، وأن الحسين بن علي ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا، وأن أكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم...) [2] .

وممن أنكر على ابن مجاهد دعوى الإجماع القاضي عياض العلامة المالكي قال: (ردَّ بعضهم هذا بقيام الحسين بن علي وابن الزبير، وقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وقال عياض: وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيَّر من الشرع) [3] .

ويعلق الإمام الذهبي على خروج زيد بن علي بن الحسين: (خرج متأولًا وقتل شهيدًا، وليته لم يخرج) (3) .

استقر رأي أهل السنة أو غالبية أهل السنة بعد تلك التجارب المريرة التي حدثت في القرنين الأول والثاني على عدم الخروج على الحاكم المسلم الذي فيه شيء من الظلم أو الفسق ولكنه ملتزم بتطبيق أحكام الإسلام مدافعًا عن حوزة الدين، يقول الإمام الجويني: (ولو فرض فاسق بشرب الخمر أو غيره من الموبقات، وكنا نراه حريصًا - مع ما يخامر من الزلات - على الذبّ عن حوزة الإسلام، مستمرًا في الدين لانتصاب أسباب الصلاح العام العائد إلى الإسلام، وكان ذا كفاية، ولم نجد غيره، فالظاهر عندي نصبه، وهو في حكم الضرورة) [4] قال في المغني: (لو غلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته، وتابعوه حتى صار إمامًا، يحرم قتاله والخروج عليه، وذلك لما في الخروج من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم [5] .

ويقول ابن تيمية: (ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالإسلام وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، ولما في ذلك من الفساد الذي يربي على فساد ما يكون من ظلمهم) [6] ، فهذا إذا طرأ الظلم أو الفسق لأن الأصل أن لا يولي الظالم {لا ينال عهدي الظالمين} ، يقول الشيخ رشيد رضا: (إذا كان فقهاؤنا يقولون بأن الإمام لا ينبذ عهده إلا بالكفر الصريح دون الظلم أو الفسق، فإنما يقولون ذلك خوفًا من وقوع الفتنة، لا أن الظالم أهل للإمامة...) [7] ، ويؤيد هذا الكلام الإمام الجويني فيقول: (لا تعقد الإمامة لفاسق، ولكن طروء الفسق عليه لا يوجب خلعه...) [8] .

ويعتبر الجويني أن طروء الفسق على الإمام من الأمور التي غمض على العلماء مدركه، واعتاص على المحققين مسلكه، وأن المصير إلى أن الفسق يتضمن الانعزال بعيد عن التحصيل، لأنه لا يستدُّ على التقوى إلا مؤيد بالتوفيق... [9] . فإمام الحرمين يرى أن الحاكم الذي يستمر على التقوى قليل فطروء الفسق لا يقطع نظر الإمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت