إن ما ذكره هذان الإمامان جدير بالقبول والتسليم، ولكن إلى أي درجة يبقى الحاكم يحمل صفة الشرعية ولا يجوز الخروج عليه أو من الأفضل عدم الخروج عليه؟ هذه هي المسألة الثانية التي أردنا الحديث عنها وذكر كلام العلماء الأعلام فيها، وهي ما إذا كثر ظلم الحاكم وفحشه، وأهلك الحرث والنسل، وعادى أولياء الإسلام، وسالم أولياء الشيطان (وجعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى من جنده) كما يعبر الإمام ابن حزم، ولم يقم بوظائف الدولة الإسلامية، فهل مثل هذا لا يقام عليه لعزله وخلعه ولو بالقوة إذا أمكن ذلك؟ فإذا قلنا لا يجوز، رجعنا إلى ما ادعاه ابن مجاهد البصري من عدم الخروج ولو مع القدرة ومهما كان الحاكم، وعلى كل الأحوال، وهذا قول أقرب إلى قول غلاة المرجئة، فلابد من المصير إلى قول بعض العلماء الذين يفصلون في هذه المسألة فيقولون. إن من كثر فحشه وظلمه، وكان في المسلمين قوة وقدرة، ويغلب على ظنهم النجاح دون إراقة الدماء، فليمضوا قدمًا وأما إذا عدمت القوة، أو كان الحاكم صاحب شوكة كبيرة، وسيكون من جراء ذلك هرج ومرج وذهاب الأموال، فيصبر حتى يريح الله العباد منه. يقول الإمام الجويني: (والمتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وفشا احتكامه واهتضامه، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة [10] فلا تطلق للآحاد أن يثوروا لأن ذلك سببًا في زيادة المحن، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع يقوم محتسبًا آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، فليمض في ذلك قدمًا، والله نصيره على الشرط المتقدم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح...) [11] .
ويقول أيضًا: (القول بعدم خلعه في نوادر الفسوق، أما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، ووضحت الخيانة، واستمرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفًا ممن ظلمه فلابد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، وذلك أن الإمامة إنما تعني نقيض هذه الحالة، فإن أمكن استدراك ذلك، فالبدار، البدار، وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية، وإراقة دماء، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه، مبتلون به، فإنه كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في رَوْم الدفع، فيجب احتمال المتوقع لدفع البلاء الناجز، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون على ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع، والصبر والابتهال إلى الله - تعالى - [12] .
وفي تعليق للشيخ رشيد رضا على الآية {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} وبعد أن أورد أقوال الشوكاني وصديق حسن خان، قال: (أهم ما في البحث من حاجة إلى التحرير مسألة طاعة الملوك والسلاطين الظالمين وإن تفاقم ظلمهم، فسلبوا الأموال، وضربوا ظهور الرجال، ما داموا لا يظهرون الكفر البواح، وقد اشتهر أن هذا مذهب أهل السنة، وأن وجوب الخروج عليهم مذهب الزيدية، والصواب أن المسألة فيها نظر، فإطلاق القول فيها يحتاج إلى تقييد، وإجماله لا ينجلي إلا ببيان وتفصيل، وخلاصة القول الحق أنه لا تعارض بين وجوب طاعة الأئمة والأمراء فيما لا معصية فيه لله - تعالى - من المعروف، وبين النهي عن الركون إلى الظالمين، والأصل المجمع عليه أن الطاعة الواجبة في الشرع لأولي الأمر كلها مقيدة بالمعروف دون المحظور، وأما طاعة المتغلبين فهي للضرورة، ويجب إزالتها عن الإمكان من غير فتنة ترجح مفسدتها على المصلحة، فخروج الحسين السبط على يزيد الظالم كان حقًا موافقًا للشرع، ولكنه ما أعد له عدته الكافية) [13] .
ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر...) [14] .
إن أقوال هؤلاء العلماء في حاكم كثر ظلمه وفحشه، أما الذين يغيرون شرع الله أو يزيدون فيه ظانين أنه لا يكفي في سياسات الدنيا فيقول عنهم الجويني إن مسلكهم هذا هو مسلك الأكاسرة والملوك المنقرضين (ومن تشبث بهذا فقد انسل عن ربقة الدين انسلال الشعرة من العجين) [15] .
ويقول عنهم الشيخ رشيد رضا: (وإن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود، وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة...) (16) .
[1] - الأموال /72 بتحقيق محمد خليل هراس.
[2] - نقله ابن الوزير في العواصم والقواصم 8/76 بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط.
[3] - المصدر السابق 8/77.
(3) - سير أعلام النبلاء 5/391.
[4] - الغياثي/312.
[5] - المغني 8/107.
[6] - الفتاوى 35/21.
[7] - المنار 1/457.
[8] - الغياثي/105.
[9] - الغياثي/103.
[10] - استئصال الإسلام.
[11] - الغياثي/116.
[12] - الغياثي/106 - 110. وخلاصة رأي الإمام الجويني أنه إذا كانت مفسدة بقاء الحاكم (الواقع الناجز) أكثر مما يتوقع من الخروج عليه فيحتمل هذا المتوقع ويسعى إلى عزله، وإن كان المتوقع من الخروج تزيد مفسدته على بقاء الحاكم، فالأولى الصبر والدعاء إلى الله - تعالى -.
[13] - تفسير المنار 12/180.
[14] - الغياثي/222.
[15] - المصدر السابق.
(16) - تفسير المنار 6/367.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر
محمد الإبراهيم