الصفحة 3672 من 3812

انقسم موقف العلماء من الحكام، فمنهم الذي ابتعد عنهم وفرَّ من مجالستهم فراره من الأسد، واشتغل بخاصة نفسه أو بنشر العلم والاهتمام بعامة المسلمين، تربية وتعليمًا، ومنهم الذي وافقهم، وبرّر لهم أفعالهم التي فيها ظلم وعسف، وأكل من مطبخهم، وضرب بسيفهم، وهؤلاء أحرى بأن لا يكونوا من زمرة العلماء، يقول عنهم ابن حزم عندما سأله تلامذته عن (فتن الحكام) :"ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم...". [1]

وقسم ثالث لم يبتعد، ولم يقترب، ولكنه عقد العزم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصحيح الأخطاء، وإصلاح حال المسلمين، يقول ابن حزم:"والمخلص لنا فيها (الفتن) الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن عجز منا عن ذلك، رجوت أن تكون التقية تسعه، ما أدري كيف هذا؟ فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا". [2] ، ويتابع - رحمه الله:"فأما الفرض الذي لا يسع أحدًا فيه تقية، فأن لا يعين ظالمًا بيده ولا بلسانه فإن اضطر إلى دخول مجلس أحدهم لضرورة حاجة أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن مسلم، أو لإظهار حق يرجو إظهاره فلا يزين له شيئًا من أمره ولا يعينه، ولا يمدحه على مالا يجوز...". [3]

إن الصنف الذي تفرغ للعلم ونشره أو اشتغل بخاصة نفسه فهذا قد اجتهد وهو مأجور إن شاء الله، ولكن هناك صنف يستر ضعفه وبعده عن الأمور العامة وعن سياسة الخلق، فيوحي للناس بأن الخوض في الأمور العامة من الفضول واللغو الذي لا يجوز، بل ربما اعتبره من السعي في الفساد.

إن آفة المسلمين إنما جاءت من قبل رؤسائهم، ورؤساؤهم لا يستطيعون إحكام قبضتهم إلا بالتظاهر بالدين، وأنهم هم المصلحون، ولابد أن يأخذوا سندًا لهم أمام العامة بتأييد من العلماء، فهم بحاجة لذلك، وحتى في أوهى العصور ولو كانوا من أفسد الناس، وليس صعبًا أن يجد الحكام هذا الصنف من الناس الذين لا يكتفون بتأييد الظالمين والسكوت عن قبائحهم ومنكراتهم، بل يشجعون هؤلاء الحكام ويدلونهم على طرق التحكم بالناس، فقد يشير هؤلاء بأنه من الأفضل للحاكم ألا يستشير أهل الرأي أو يكون للأمة دور في سياسة البلد، لأن هذا يؤدي إلى الفوضى ويدل على ضعف الحاكم، وبهذه الحجة يستمر الحاكم في استبداده والادعاء أن هذا من الشرع!.

إن أصحاب الموقف الثالث الذين عقدوا العزم على الإصلاح، هم الذين يعيدون للأمة روحها، وينقذونها من ورطات الذل والهوان وهم الذين يعلمون أن الظلم والعسف مراغمة للشريعة ومحادة لمقاصدها، روى معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال:"عجبت لإخوتنا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمنًا". ويعلق الإمام الذهبي على هذه الرواية فيقول:"ويشير إلى المرجئة، فهم الذين يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان مع عسفه وسفكه الدماء وسبه الصحابة". [4] ، ويقول الذهبي عن الحجاج بعد أن ذكر ظلمه وجبروته وتأخيره للصلوات:"فنسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان". [5]

ولذلك قال العلماء بأن لا يُحدَّث الظلمة بأحاديث يستغلونها لمصلحتهم:"قال سلام بن مسكين، كما في (الطب) من صحيح البخاري بلغني أن الحجاج (يعني ابن يوسف) الثقفي قال لأنس بن مالك - رضي الله عنه: حدثني بأشد عقوبة عاقب بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحدثه بها، فلما بلغ الحسن (البصري) ذلك، قال: وددت أنه لم يحدثه". [6]

جاء الإسلام رحمة للناس، فهل يعقل أن يتحول هذا الدين إلى مسوغ للظلم، راضيًا به، هذا لا يكون أبدًا، وإذا كان الكفرة يتفاخرون بملوكهم العادلين، فهلُ يسكت عن حكامنا الظالمين؟

إن الإسلام الذي جاء فيه: (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) ) [النساء/40] وجاء فيه: (( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين ) ) [الأنبياء/11] ، (( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) ) [القصص/59] وجاء فيه: (( لا ينال عهدي الظالمين ) )أي أن الولاية العامة الشرعية حق أهل الإيمان والعدل، وأن الله - تعالى - لن يعهد بإمامة الناس وتولي أمورهم للظالمين، فكل حاكم ظالم فهو ناقض لعهد الله - تعالى -". [7] "

"وقد أخذ من هذه الآية حكم أصولي، وهو أن الظالم لا يجوز أن يولى منصب الإمامة العظمى، واشترطوا لصحة الخلافة فيما اشترطوا: العلم والعدل". [8] ، هذا الإسلام لا يمكن أن يقبل الظلم، ولا يكون علماؤه من المؤيدين للظلم. وإن الذين صدعوا بالحق ولم يسكتوا عن منكر، هم كثرة في تاريخنا، وهم الجانب المضيء فيه، فالجانب العلمي لم يكن دائمًا متأثرًا بالجانب السياسي، وقد كان (عراك بن مالك) يحرض عمر بن عبد العزيز على انتزاع ما بأيدي بني أمية من الأموال والفيء، فلما استخلف يزيد بن عبد الملك نفى عراكًا إلى جزيرة (دهلك) فمات هناك، - رحمه الله -". [9] "

ومن الآمرين بالمعروف:

أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الدمشقي الشافعي من ذرية سعد بن عبادة، وكان إمامًا فقيهًا، ورعًا صالحًا امتنع من القضاء فألحوا عليه، وكان صارمًا عادلًا على طريقة السلف في لباسه وعفته، أتي مرة بكتاب، فرمى به وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب، فقال العادل [10] : صدق، كتاب الله أولى من كتابي، وكان يقول للعادل: أنا ما أحكم إلا بالشرع، وإلا فأنا ما سألتك القضاء فإن شئت فأبصر غيري، قال أبو شامة. وحدثني ابنه قال: جاء إليه ابن عُنين فقال: السلطان يسلم عليك ويوصي بفلان، فإن له محاكمة، فغضب وقال: الشرع ما يكون فيه وصية. [11]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت