الصفحة 133 من 3812

عجَّب - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم من حال هذا الشقى وأمثاله ، فقال: { أَرَأَيْتَ الذي ينهى . عَبْدًا إِذَا صلى } . فالاستفهام في قوله - تعالى -: { أَرَأَيْتَ . . . } للتعجيب من جهالة هذا الطاغى ، وانطماس بصيرته ، حيث نهى عن الخير ، وأمر بالشر ، والمراد بالعبد: رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنكيره للتفخيم والتعظيم .

أى: أرأيت وعلمت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب وأشنع من حال هذا الطاغى الأحمق ، الذى ينهاك عن إقامة العبادة لربك الذى خلقك وخلقه .

وقوله - سبحانه -: { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى . أَوْ أَمَرَ بالتقوى } خطاب آخر للنبى صلى الله عليه وسلم أى: أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن صار هذا الإِنسان - الطاغى والكافر - على الهدى ، فاتبع الحق ، ودعا إلى البر والتقوى . . أما كان ذلك خيرا له من الإِصرار على الكفر ، ومن نهيه إياك عن الصلاة ، فجواب الشرط محذوف للعلم به .

فالمراد بالهدى: اهتداؤه إلى الصراط المستقيم ، والمراد بالتقوى: صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله - تعالى - ، وأمره غيره بذلك .

وقوله - تعالى -: { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى . أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } .

أى: أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا ، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين . أرأيت إن فعل ذلك ، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه ، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين؟

فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التى تكرر فيها لفظ"أرأيت"ثلاث مرات: تسلية النبى صلى الله عليه وسلم . وتعجيبه من حال هذا الإِنسان الطاغى الشقى ، الذى أصر على كفره . وآثر الغى على الرشد . والشرك على الإِيمان . . وتهديد هذا الكافر الطاغى بسوء المصير ، لأن الله - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة . . وسيعاقبه العقاب الأكبر .

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأين جواب الشرط - أى في قوله - تعالى -: { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى } ؟ قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثانى .

فإن قلت: فكيف صح أن يكون"ألم يعلم"جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمنى؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ .

وقوله - سبحانه -: { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بالناصية } ردع وزجر لهذا الكافر الطاغى الناهى عن الخير ، ولكل من يحاول أن يفعل فعله .

والسفع: الجذب بشدة على سبيل الإِذلال والإِهانة ، تقول: سفعت بالشئ ، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب . . . وقيل: هو الاحتراق ، من قولهم: فلان سفعته النار ، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده . والناصية: الشعر الذى يكون في مقدمة الرأس . أى: كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإِنسان الطاغى ، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور ، لنقهرنه ، ولنذلنه ، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة .

والتعبير بقوله - تعالى -: { لَنَسْفَعًا بالناصية } يشعر بالأخذ الشديد ، والإِذلال المهين ، لأنه كان من المعروف عند العرب ، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إِنسان وعقابه ، سحبوه من شعر رأسه .

والتعريف في الناصية ، للعهد التقديرى . أى: بناصية ذلك الإِنسان الطاغى ، الذى كذب وتولى ، ونهى عن إقامة الصلاة .

وقوله - تعالى -: { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } بدل من الناصية ، وجاز إبدال النكرة من المعرفة ، لأن النكرة قد وصفت ، فاستقلت بالفائدة .

وخاطئة: اسم فاعل من خطئ فلان - كعلم - فهو خاطئ وهو الذى يأتى الذنب متعمدا ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإِنسان الارتكاب المنكر ، على حد قولهم: نهار صائم ، أى: صائم صاحبه ، ولأن الناصية هى مظهر الغرور والكبرياء .

أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره . . لنذلنه إذلالا شديدا . . ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التى طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب المنكر . .

وقوله - سبحانه -: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } رد على غروره وتفاخره بعشيرته ، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عندما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، نهره النبى صلى الله عليه وسلم وزجره وأغلظ له القول . . فقال أبو جهل: أتهددنى يا محمد وأنا أكثر هذا الوادى ناديا ، فأنزل الله - سبحانه -: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزبانية } .

وأصل النادى: المكان الذى يجتمع فيه الناس للحديث ، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض ، ومنه دار الندوة ، وهى دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم ، وسمى بذلك لأن الناس يَنْدُون إليه ، أى: يذهبون إليه ، أو ينتدون فيه ، أى: يجتمعون للحديث فيه . يقال: ندا القوم نَدْوًا - من باب غزا - إذا اجتمعوا .

والأمر في قوله - تعالى -: { فَلْيَدْعُ } للتعجيز ، والكلام على حذف مضاف . أى: فليدع هذا الشقى المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبى صلى الله عليه وسلم ، ولمنعه من الصلاة ، إن قدروا على ذلك ، فنحن من جانبنا سندع الزبانية ، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله .

ولفظ الزبانية في كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس ، أى: يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة ، جمع زِبْنيَّة ، وأصل اشتقاقه من الزَّبْنِ ، وهو الدفع الشديد ، ومنه قولهم: حرب زبون ، إذا اشتد الدفع والقتال فيها ، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت