فهرس الكتاب
قال الفخر الرازى ما ملخصه: ( دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة لأن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأنه هو الأمر الذى به يتقرب إلى الله ، ويتوسل به إلى السعادة . . . . . وإذا كان الأمر كذلك ، امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذى يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه ودلت على إيجاب الهجرة بعد الإِسلام - أى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يسلموا ويهاجروا - وأنهم إن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة .
ونظيره قوله - تعالى - { مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة ففى الحديث الشريف:"أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين . وأنا برئ من كل مسلم مع مشرك"فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة . ثم نسخ فرض الهجرة بما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"وروى عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من اقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإِسلام قائما .
وقوله: { فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } بيان لحكم الله - تعالى - في هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا في غيهم وضلالهم .
والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة في سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم في الأسر ، وضيقوا عليهم ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) لأنهم أعداء لكم { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ } فى هذه الحالة { وَلِيًّا } توادونه وتصادقونه { وَلاَ نَصِيرًا } تنتصرون به على أعدائكم ، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله ، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - تعالى - { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا } فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتناههم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم . (1)
إننا نجد في النصوص استنكارًا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين وتعجبًا من اتخاذهم هذا الموقف؛ وشدة وحسمًا في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته ، وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك .
وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين؛ لأن فيها تميعًا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين . ذلك أن قول جماعة من المؤمنين: « سبحان الله! - أو كما قالوا - أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ، نستحل دماءهم وأموالهم؟ » . . وتصورهم للأمر على هذا النحو ، من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: « إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس » . . وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: « يظاهرون عدوكم » . . تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان ، في ظروف تستدعي الوضوح الكامل ، والحسم القاطع . فإن كلمة تقال باللسان؛ مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين ، لا تكون إلا نفاقًا . ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء . لأنه تمييع للتصور ذاته . . وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين .
ولم يكن الحال كذلك في الإغضاء عن منافقي المدينة . فقد كان التصور واضحًا . . هؤلاء منافقون . . ولكن هناك خطة مقررة للتعامل معهم . هي أخذهم بظاهرهم والإغضاء إلى حين .
وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين . لأنهم قالوا كلامًا كالذي يقوله المسلمون . وأدَّوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين!
من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين ، ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم ، كان هذا الاستنكار الشديد في مطلع الآية .
.ثم تبعه الإيضاح الإلهي لحقيقة موقف هؤلاء المنافقين:
{ والله أركسهم بما كسبوا } . .
ما لكم فئتين في شأن المنافقين . والله أوقعهم فيما هم فيه بسبب سوء نيتهم وسوء عملهم؟ وهي شهادة من الله حاسمة في أمرهم . بأنهم واقعون في السوء بما أضمروا وبما عملوا من سوء .
ثم استنكار آخر:
{ أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟ } . .
ولعله كان في قول الفريق . . المتسامح!! . . ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا ، ويتركوا اللجلجة! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم .
{ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا } . .
فإنما يضل الله الضالين . أي يمد لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة . وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية؛ بما بعدوا عنها ، وسلكوا غير طريقها؛ ونبذوا العون والهدى ، وتنكروا لمعالم الطريق!
ثم يخطو السياق خطوة أخرى في كشف موقف المنافقين . . إنهم لم يضلوا أنفسهم فحسب؛ ولم يستحقوا أن يوقعهم الله في الضلالة بسعيهم ونيتهم فحسب . . إنما هم كذلك يبتغون إضلال المؤمنين:
{ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } . .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1025)