الصفحة 162 من 3812

أى: ولا يدينون بدين من الأديان التى أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم .

وعبر عنهم في قوله: { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . . } بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال .

أى أن العلة في الأمر بقتالهم ، كونهم لا يؤمنون باللهو لا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق .

وقوله: { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى؛ لأن الحديث عنهم ، وعن الأسباب التى توجب قتالهم .

والمراد بالكتاب: جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل .

أى: قاتلوا من هذه صفاتهم ، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .

والمقصود بقوله: { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال ، أو الإِسلام ، أو الجزية:

وقوله: { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } غاية لإِنهاء القتال .

أى: قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد ، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم .

والجزية: ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهى - كما يقول القرطبى: - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه . فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن ، وهى كالقعدة والجلسة ، ومن هذا المعنى قول الشاعر:

يجزيك أو يثنى عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

والمراد بإعطائها في قوله: { حتى يُعْطُواْ الجزية } ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك .

واليد هنا: يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد . أى: حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد .

ويحتمل أن تكون كناية و"عن"الدفع نقدًا بدون تأجيل . أى: حتى يعطوها نقدًا بدون تسويف أو تأخير .

ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى ، و"عن"بمعنى الباء أى: حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم .

وهذه المعانى لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى . أى: يد الكتابى .

أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهى يد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة يكون معناها القوة والقهر والغلبة .

أى: حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها .

ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: قوله:"عن يد"إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها عن يده ، أى عن يد مؤاتيه غير ممتنعة ، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده ، بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك قالوا: أعطى بيده ، إذا انقاد وأصحب - أى: سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة ، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه .

أو المعنى: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة ، لا مبعوثًا بها على يد أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ .

ومعناه على إرادة يد الآخذ: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهى يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم ، وترك أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم .

وقوله: { وَهُمْ صَاغِرُونَ } من الصغار بمعنى الذل والهوان . يقال: صغر فلان يصغر صغرًا وصغارًا إذا ذل وهان وخضع لغيره .

والمعنى: قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن طواعية وانقياد . وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم . . فإن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله .

ولا يتخذون الدين الحق دينًا لهم . يستحقون هذا الهوان في الدنيا ، أما في الآخرة فعذابهم أشد وأبقى .

هذا . ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:

1-إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإِسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركى العرب فلا يخيرون إلا بين الإِسلام أو القتال .

قال القرطبى ما ملخصه: وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية فقال الشافعى: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجمًا لهذه الآية: فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ، لقوله - تعالى - في شأن المشركين: { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .

وقال الشافعى: وتقبل من المجوس لحديث"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"أى: في أخذ الجزية منهم .

وبه قال وأبو ثور . وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعى: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .

وكلذلك مذهب مالك: فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميًا تغليبا أو قرشيًا؛ كئنا من كان إلا المرتد . .

2-أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ، وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإِسلامية التى أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم . ومقدساتهم . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت