فهرس الكتاب
ثم ما فتئوا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، حيث أقصوا الإسلام عن معظم مناحي الحياة، سيما في جانب السياسة، والحكم، والاقتصاد، ومناهج التربية والتعليم.
لقد فطن بعض الأخيار لذلك فحافظوا على بعض دور التعليم الدينية، وأنشاؤا غيرها، مستفيدين من بعض الأوقاف الإسلامية، وحاضين ومشجعين الموسرين على التبرع والإنفاق لتسييرها، واستمر التعليم الديني موازيًا للتعليم الرسمي، مع هضم حقوقهم، والتضييق عليهم، وعدم تعيينهم في الوظائف الحكومية المتميزة وغير المتميزة.
وقد استمر هذا الوضع بعد أن نالت الدول الإسلامية استقلالها الاسمي؛ لأن المستعمر لم يخرج إلا بعد أن اطمئن على وجود كادر ممن ربوهم على أيديهم، ووفق مناهجهم عن طريق الابتعاث وغيره.
مما ساعد على استمرار المدارس، والمعاهد، والجامعات الإسلامية فترة من الزمان، اعتمادهم بعد الله على أنفسهم في تمويلها وإدارتها، وعدم قبول شيء من العون الحكومي.
شعر المستغربون وأعداء الدين بخطورة هذا النوع من التعليم عليهم، فأوعزوا للمسئولين بطرق مباشرة وغير مباشرة بتوحيد مناهج التعليم في البلاد وتوحيد الإشراف عليها، ولم يكن ذلك شاملًا للمدارس الإرسالية والكنسية وإنما فصِّل تفصيلًا على المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية.
كانت الضربة القاضية على ذلك عند شروع أمريكا وحلفائها في حربهم الصليبية على الإسلام، التي بدأتها بحرب الخليج الأولى, وبغزو أفغانستان, والعراق، وتدجين كل حكام المسلمين، حيث صدرت التعليمات لهم بإغلاق جميع المدارس , والمعاهد , والجامعات الإسلامية، بحجة أنها محاضن للإرهاب، وتفرخ الإرهابيين.
ولم يقتصر الأمر على القضاء على ما تبقى من تلك المدارس والمعاهد في المملكة العربية السعودية وباكستان، بل تعدى ذلك إلى التدخل السافر في تعديل المناهج والمقررات، حتى في المدارس والجامعات العلمانية التي أنشئت على غرار ما عند الكفار، وحذف كل الآيات، والأحاديث، والآثار، والمراجع، والمصادر، التي تتكلم عن كفر اليهود والنصارى، وعن عقيدة الولاء والبراء، وعن الجهاد، هذا ما علم وما خفي أعظم.
هذا بجانب وسائل الإفساد وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، والتشكيك في الثوابت والمسلمات، والتعتيم، والتضليل، والتدليس الذي تقوم به وسائل الإعلام العالمية والمحلية، التي أضحت بوقًا للوسائل العالمية المقروءة، والمسموعة، والمشاهدة المرئية، والفضائيات، والشبكات العنكبوتية.
لقد عمل كل ذلك وغيره كثير عمله في إفساد العقائد وتدمير الأخلاق، وتسييب الشباب.
لا خروج من هذا النفق المظلم، والفتن المحيطة، والمستقبل القاتم إلا بالرجوع إلى شرعنا المصفى، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
أولى تلك الوسائل وأهم هذه الأسباب العلم الشرعي، إذ مشكلة الإسلام الحقيقية تكمن في جهل أبنائه وكيد أعدائه.
ومعلوم أن المؤسسات التعليمية القائمة جلها مؤسسات علمانية، فهي معاول هدم ومسخ، ومنها كليات وجامعات إسلامية تستوعب أعدادًا قليلة بجانب التزامها بنظم وقواعد ومتطلبات قد تعوق قيامها بالدور المناط بها. هذا بجانب الضغوط والمضايقات التي تواجهها.
من المعلوم ضرورة كذلك أن العلم بالتعلم، وأن العلم الشرعي ومفاتحه لا ينالان إلا بمجالسة العلماء ومزاحمة الحكماء منهم بالركب، والقرب من أنفاسهم، والحرص على الاستفادة منهم؛ لأن العلم يحتاج إلى الأدب, والسلوك, والهدي الصالح، والسمت الصالح.
التعامل مع الكتب من غير شيخ، وقبل الحصول على مفاتح العلم له أضرار بليغة ومخاطر كثيرة، ورحم الله أبا حيان الأندلسي حين قال مبينًا مضار ذلك ومحذرًا منه:
يظن الغمرُ أن الكتب تهدي *** أخا جهل لإدراك العلوم
وما علم الجهولُ بأن فيها *** مدارك قد تدقُّ عن الفهيم
ومن أخذ العلوم بغير شيخ *** يضل عن الصراط المستقيم
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهم السقيم
من العسير جدًا في زماننا هذا التفرغ لطلب العلم، أعني بذلك تفرغ العالم والمتعلم، حيث لم يبق إلا الانتساب إلى الجامعات الشرعية المفتوحة المتيسرة، وفي بعض الأحيان ولبعض الطلاب والشباب تكون في متناول اليد. أعني بذلك الدروس المنتظمة في المساجد، فهي لا تحتاج إلى رسوم، ولا تسجيل، ولا تفرغ، ولا ترحيل، وغاية ما تحتاجه:
1.رغبة صادقة في طلب العلم الشرعي.
2.وعزيمة ماضية.
3.وقلب حاضر.
4.وتفرغ جزئي لمدة ساعة أوساعتين بما في ذلك المراجعة.
5.الكتاب الذي يدرس ودفتر وقلم.
6.وإن كان هناك جهاز تسجيل فزيادة خير.
العلم صيد *** و الكتابة قيده
قيد صيودك *** بالحبال الواثقة
وأوقات هذه الدروس لا تتعارض مع طالب، ولا عامل، ولا موظف، فهي من بعد صلاة الصبح إلى الشروق، ومن بعد صلاة المغرب إلى العشاء، في أيام معدودة، وساعات محدودة، وأوقات مباركة مشهودة.
وهي مفتوحة للصغير، والكبير، والشاب، والشيخ، والقارئ، والأمي، والمنتظم، وغير المنتظم، للعالم، والمتعلم، والمستعلم، والمحب، في العقيدة، والفقه، والحديث، والسيرة، والسياسة الشرعية، والتفسير، والأدب، والسلوك.
من أمثلة ذلك ما هو قائم في مسجد علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- بالمعمورة، حيث تقام فيه بفضل الله- عز وجل- ثلاثة دروس بعد الفجر، ودرسان بين المغرب والعشاء، على النحو التالي:
1.شرح موطأ الإمام مالك بعد فجر الإثنين من كل أسبوع.
2.شرح التجريد الصريح لصحيح البخاري بعد فجر الأربعاء من كل أسبوع.
3.شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد بعد فجر الثلاثاء من كل أسبوع.