فهرس الكتاب
إبراهيم كيف أنها تكلمت بألسنتهم مجتمعين على تفرقهم زمانًا ومكانًا - كأنهم فردٌ واحد - قال - تعالى: [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: 9-13) . فانظر كيف أن الخيار بين أمرين لا ثالث لهما: [لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (إبراهيم: 13) ، وكيف أن هذا هو كلام الكفار جميعهم في مختلف أزمنتهم [قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ] (إبراهيم: 9) .
وما أريده هو أن أسلط الضوء على هذا النوع المجرم من الناس. الذي لا يريد الحق أبدا... يكره الحق وهو يعرفه، ويعرف ما فيه من الخير. يلبس الحق على عوام الناس... يحاول أن يضلهم.
هذا النوع من الناس موجود في كل زمان ومكان، وهو الذي يختلق المتشابه في القرآن. هو الذي يفتعل المتشابه. كذبا وبهتانا كي يلبس على الناس دينهم.
وإن تدبرت وجدا أن الجهاد في الشريعة يستهدف هؤلاء الناس. وبمجرد القضاء عليهم يدخل الناس في دين الله أفواجا.
بهذه الخلفية تشرح أحداث السيرة النبوية، وتكون هناك تحليلات لمواقف الملأ الذين استكبروا من الدعوة النبوية، وكيف أنهم كانوا يعرفون الحق ويعاندونه...كيف أنهم كانوا يحاربون الحق وهم يعلمون ما فيه من الخير.
التعامل مع النصوص الواردة عن السلف
محمد بن إبراهيم الحمد - جامعة القصيم
يرد كثيرًا آثارٌ عن السلف الصالح - رضوان الله عليهم - ويروى عنهم كلمات في مناسبات؛ فهم يطلقونها - أحيانًا - عفو الخاطر، وعلى السجية، ومع ذلك تأتي حاملة في طياتها عُمْقًا وعبرًا مع اختصارها وقصرها.
وما ذلك إلا أثر من آثار الاتباع الصحيح، وقرب العهد، وحسن التلقي من مشكاة النبوة.
وقل أن تجد كتابًا من كتب السير إلا وقد خلَّد لأولئك السَّراة كلماتٍ خالدةً يتردد صداها إلى يومنا هذا.
ومن الناس من لا يحسن التعامل مع تلك الآثار؛ إذ منهم من يخالها بمنزلة النصوص الشرعية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ومنهم مَنْ لا يعتدُّ بها، ولا يقدرها قدرها؛ فيفوته خير كثير، وتجارب نافعة.
ومنهم يسير بها على وَفْق طبيعته؛ فقد يكون ذا شدة وصرامة وإفراط في الحزم؛ فتراه يأخذ منه بحسب ما يوافق هواه، وما جبل عليه؛ فيجعلها مستندًا لِمَا هو بصدده.
ومنهم من هو متساهل مُفَرِّط مُغَلِّبٌ جانبَ اللين في شتى أموره؛ فتراه يجر تلك الآثار لما هو ملائم لطبيعته جرًا، وهكذا...
ولعل الأنسب في التعامل مع تلك الآثار أن تؤخذ بمجموعها وإطارها العام؛ فيكون من جرَّاء ذلك منهج متكامل معتدل.
ولقد تواطأت وصايا السلف، وتتابعت كلماتهم في أمور يمكن أن يستخلص منها المنهج العام الواضح الذي يمكن الأخذُ به، والسير على منواله مما هو محل اتفاق، وإجماع، ومن ذلك ما يلي:
1-آثار تحث على تعظيم الشريعة، واتباع السنة، والتحذير من البدعة.
2-آثار تحث على الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
3-آثار تحث على مكارم الأخلاق، وتنهى عن سفسافها، ومرذولها.
4-آثار تحث على العزة والقناعة، وتحذر من الذلة والمهانة والشَّرَه.
5-آثار تدعو إلى حسن السيرة، وصفاء السريرة، ومراقبة الخلوات.
6-آثار تحذر من الكسل وطول الأمل، والاغترار بالدنيا، وتدعو إلى التشمير والاستعداد للرحيل.
7-آثار جرت مجرى الحكمة، والأمثال السائرة كالتي تنتج عن تجربة، وحسن نظر في مجاري الحياة، وتقلبات الأحوال كالنظر في العواقب، وحسن التدبير للمال، وكيفية التعامل مع الناس على اختلاف طبقاتهم، وما جرى مجرى ذلك.
فما كان من هذا القبيل فهو محل القدوة، والاتفاق.
أما بعض الاجتهادات الواردة عن السلف مما قد يظهر فيها مخالفة لنص، أو ما قد يلائم وقتًا دون وقت، أو ما قد ينزل على أشخاص دون أشخاص، أو ما كان مجملًا محتملًا - فإن ذلك يحتاج إلى نظر في صحة نسبته، فإذا صح فإنه يحتاج إلى تأويل سائغ، وإلى أن يخرج تخريجًا ملائمًا.
وإذا لم يمكن ذلك عُدَّ اجتهادًا خاصًا بصاحبه، ولا يلزم قبوله والأخذ به على كل حال.
كيف وقد تواطأت وصاياهم - رحمهم الله - على أن كُلًا يؤ خذ من قوله ويرد إلا النبي- صلى الله عليه وسلم -.