الصفحة 1943 من 3812

وهذا الموضوع من الموضوعات التي رأيت أن كثيرًا من شباب الصحوة، وأجيال الدعوة يتحدثون عن بعض ظواهره، ويسألون عن بعض مشكلاته وعوارضه، فأحببت أن أطرقه طرقًا يحيط بأصوله من الناحية النظرية والفكرية، ويلمّ كذلك بمشكلاته من الناحية التطبيقية العملية.

أهمية العاطفة:

وهي تتضح من خلال أمرين اثنين:

الوجه الأول منهما: أن العاطفة فطرة بشرية، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق الإنسان، وهو العليم به كما قال - جلا وعلا: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ، وكما قال - سبحانه وتعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} ؛ فإنه - جلا وعلا - قد خلق الإنسان قبضة من طين، ونفخة من روح، وجعل له عقلًا يفكر، وعاطفةً تؤثر، وبيّن عقله وعاطفته، أنزل له شرعًا يوجه العقل، لئلا يشذ، ويحكم العاطفة لئلا تند، وبالتالي فإن طبيعة الإنسان وخصيصته البشرية أن العاطفة جزء أساسي فيه، بل جزء مميز له؛ فإن الإنسان في حقيقة الأمر مجموعة من العواطف، وكتلة من المشاعر، عنده حب متدفق، وقد يعتريه أحيانًا بغض لا حد لمنتهاه في الانتصار للنفس، أو تدبير الكيد لذلك المبغض، وكذلك عنده راحة وطمأنينة، ويعتريه قلق وهم، وأحيانًا يكون في صورة من الأنس والانشراح، وأحيانًا يكون في وقت من التبرم والضيق وكل هذا نوع من صور العاطفة في نفس الإنسان، والحق أن الإنسان بلا عاطفة، كجثة هامدة، لأن العضلات والجوارح والمفاصل المكونة للجسم البشري - ليست هي التي تعبر عن كنه الإنسان، بقدر ما يعبر عنه قلبه وعاطفته، ولذلك نعرف اليوم ما يسمى بالرجل الآلي، أو قد يطلقون على الكمبيوتر العقل الإلكتروني فهذا إن تجاوزنا على أنه عقل مفكر، لكننا بهذه التسمية - على إقرارنا لها - لا نصف هذه الأشياء بأن لها عاطفة! هي عقل صرف إن تجاوزنا عن حقيقة العقل الذي يفكر ويغيّر، وليس هو مقيدًا تقيدًا كاملًا، لكن ليس له عاطفة، فالإنسان بلا عاطفة كما نسمع في تعبيراتنا كأنه حجر، أو كأن قلبه من صخر لا يتأثر، يرى الفواجع فلا يهتز له جفن، ولا يخفق له قلب، يرى المباهج والمناظر الجميلة، فلا تفتّر شفتيه عن الابتسامة، ولا تجد في عينيه بريق سعادة، إن هذا في حقيقة الأمر كتلة من صخر، أو أسمنت ليس فيه أية مشاعر، ولذلك قال بعض الأدباء - مع التجاوز عن بعض ما في هذه الكلمة-:"من لم يطربه خرير المياه في الأنهار، وتغريد الأطيار، وحفيف الأشجار، فليبك على نفسه فإنه حمار أكرمكم الله منعدم المشاعر والأحاسيس."

إذًا العاطفة أصلًا هي جزء رئيسي من تكوين الإنسان، وفطرة وجبلة مما جبله الله - عز وجل - عليها.

الوجه الثاني:

أن العاطفة فريضة إسلامية؛ ذلك أن الإيمان مهيمن، لا يقبل أنصاف الحلول، لا يقبل منك أن تنطق باللسان، وليس هذا في حد ذاته كافيًا في وصف الإيمان، قد بين الله - جلا وعلا - في شأن أهل النفاق الذين يقولون آمنا بألسنتهم وأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، ولا يكتفي منك أيضًا بمجرد الامتثال بالحركات والأعمال؛ فإن ذلك قد كان دأب المنافقين أيضًا {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا} ؛ فإن الإيمان شرطه أن يستولي على القلب، وأن يضرب أوتاده في أعماق النفس، ولا يرضى إلا أن يكون حاكمًا على كل إحساس، وعلى كل شعور، وعلى كل خفقة قلب، وعلى كل خطرة قلب، وعلى كل خلجة نفس، لابد أن تحكم بهذا الإيمان؛ لأن الإيمان يغيّر الإنسان من داخله، فيغيّر مشاعره، ولذلك قال النبي - عليه الصلاة والسلام: (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) ، فليس لك أن تحب كما شئت، أو أن تبغض كما شئت، أو أن توافق هوى نفسك، أو طبيعة ظرفك أو أسلوب تربيتك، بل إذا تغلغل الإيمان في قلبك وجّه هذه العواطف، ولذلك قال - سبحانه وتعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين أمنوا أشد حبا لله} ، فهذا الحب المرتبط بالله - عز وجل -، والمحبة المتصلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومحبة الأخوة الإيمانية بين أهل الإسلام كلها أمور إسلامية إيمانية من أخص خصائص هذا الدين، ومن أعظم أركان هذا الإيمان، لا يمكن أن نتصور إيمانًا أو إسلامًا بدونها، أو بدون تحققها الكامل.

ولذلك يعلم العبد المؤمن أن هذه الحقيقة ينبغي أن لا تغيب عن باله مطلقًا، ونصوص الكتاب والسنة في أمر المحبة لله - عز وجل -، والمحبة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - كثيرة في هذا الباب، ليس هذا مقام الاستطراد في ذكرها وسردها، وإذا عرفنا أن العاطفة في أصلها فطرة بشرية، وفريضة إسلامية، فلنذكر الآثار الإيجابية للعواطف ليس على سبيل التفصيل في واقعات الأعيان وإنما في الجملة.

الآثار الإيجابية للعواطف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت