الصفحة 1967 من 3812

وأما الحياء الذي بين العبد وبين الناس. فهو الذي يكف العبد عن فعل ما لا يليق به، فيكره أن يطلع الناس منه على عيب ومذمة فيكفه الحياء عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق. فالذي يستحي من الله يجتنب ما نهاه عنه في كل حالاته، في حال حضوره مع الناس وفي حال غيبته عنهم.

وهذا حياء العبودية والخوف والخشية من الله عز وجل وهو الحياء المكتسب من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهذا الحياء من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان. كما في الحديث: { الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك } والذي يستحي من الناس لا بد أن يكون مبتعدًا عما يذم من قبيح الخصال وسيء الأعمال والأفعال، فلا يكون سبابًا، ولا نمامًا أو مغتابًا، ولا يكون فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجاهر بمعصية، ولا يتظاهر بقبيح. فحياؤه من الله يمنعه من فساد الباطن، وحياؤه من الناس يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، وصار كأنه لا إيمان له. كما قال النبي: { إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت } [ رواه البخاري] .

ومعناه إن لم يستح صنع ما شاء من القبائح والنقائص، فإن المانع له من ذلك هو الحياء وهو غير موجود، ومن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر. عن سلمان الفارسي قال: ( إن الله إذا أراد بعبده هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا. فإذا كان مقيتًا ممقتًا نزع منه الأمانة، فلم تلقه إلا خائنًا مخونًا. فإذا كان خائنًا مخونًا نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظًا غليظًا. فإذا كان فظًا غليظًا نزع ربقة الإيمان من عنقه، فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه، لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا ملعنًا ) . وعن ابن عباس قال: ( الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء تبعه الآخر ) . وقد دل الحديث وهذان الأثران على أن من فقد الحياء لم يبق ما يمنعه من فعل القبائح، فلا يتورع عن الحرام. ولا يخاف من الآثام، ولا يكف لسانه عن قبيح الكلام. ولهذا لما قل الحياء في هذا الزمان أو انعدم عند بعض الناس كثرت المنكرات، وظهرت العورات، وجاهروا بالفضائح، واستحسنوا القبائح. وقلت الغيرة على المحارم أو انعدمت عند كثير من الناس، بل صارت القبائح والرذائل عند بعض الناس فضائل، وافتخروا بها، فمنهم المطرب والملحن والمغني الماجن، ومنهم اللاعب الناعب الذي أنهك جسمه وضيّع وقته في أنواع اللعب، وأقل حياء وأشد تفاهة من هؤلاء المغنيين واللاعبين من يستمع لغوهم، أو ينظر ألعابهم، ويضيع كثيرا من أوقاته في ذلك.

ومن قلة الحياء وضعف الغيرة في قلوب بعض الرجال:

استقدامهم النساء الأجنبيات السافرات أو الكافرات وخلطهن لهم مع عوائلهم داخل بيوتهم وجعلهن يزاولن الأعمال بين الرجال، وربما يستقبلن الزائرين، ويقمن بصب القهوة للرجال. أو استقدامهم للرجال الأجانب سائقين وخدامين، يطلعون على محارمهم ويخلون مع نسائهم في البيوت وفي السيارات في الذهاب بهن إلى المدارس والأسواق، فأين الغيرة وأين الحياء وأين الشهامة والرجولة؟!.

ومن ذهاب الحياء في النساء اليوم:

ما ظهر في الكثير منهن من عدم التستر والحجاب، والخروج إلى الأسواق متطيبات متجملات لابسات لأنواع الحلي والزينة، لا يبالين بنظر الرجال إليهن، بل ربما يفتخرن بذلك، ومنهن من تغطي وجهها في الشارع وإذا دخلت المعرض كشفت عن وجهها وذراعيها عند صاحب المعرض ومازحته بالكلام وخضعت له بالقول؛ لتطمع الذي في قلبه مرض.

ومن ذهاب الحياء في بعض الرجال أو النساء:

شغفهم بإستماع الأغاني والمزامير من الإذاعات ومن أشرطة التسجيل.

أين الحياء ممن يشتري الأفلام الخليعة، ويعرضها في بيته أمام نسائه وأولاده بما فيها من مناظر الفجور وقتل الأخلاق، وإثارة الشهوة، والدعوة إلى الفحشاء والمنكر؟!.

أين الحياء ممن ضيعوا أولادهم في الشوارع يخالطون من شاؤوا ويصاحبون ما هب ودب من ذوي الأخلاق السيئة، أو يضايقون الناس في طرقاتهم ويقفون بسياراتهم في وسط الشارع؛ حتى يمنعوا المارة، أو يهددون حياتهم بالعبث بالسيارات وبما يسمونه بالتفحيط؟!.

أين الحياء من المدخن الذي ينفث الدخان الخبيث من فمه في وجود جلسائه ومن حوله، فيخنق أنفاسهم ويقزز نفوسهم ويملأ مشامهم من نتنه ورائحته الكريهة؟!.

أين الحياء من التاجر الذي يخدع الزبائن، ويغش السلع، ويكذب على الناس؟ إن الذي حمل هؤلاء على النزول إلى هذه المستويات الهابطة هو ذهاب الحياء كما قال: { إذا لم تستح فاصنع ما شئت } .

فاتقوا الله عباد الله، وراقبوا الله في تصرفاتكم، قال تعإلى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] .

أسباب مغفرة الذنوب

دار الوطن ...

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين وصحبه الكرام البررة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

قال الله تعإلى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت