الصفحة 2028 من 3812

وأخرج البيهقي أيضا عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال لبعض أصحابه: { إذا بلغك عن رسول الله حديث، فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله كان مبلغا عن الله تعالى } ، وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله أنه قال: (إنما العلم كله، العلم بالآثار) ، وقال مالك رحمه الله: (ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله ، وقال أبو حنيفة رحمه الله: (إذا جاء الحديث عن رسول الله فعلى الرأس والعين) .

وقال الشافعي رحمه الله: (متى رويت عن رسول الله حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب) . وقال أيضا رحمه الله: (إذا قلت قولا وجاء الحديث عن رسول الله بخلافه، فاضربوا بقولي الحائط) ،

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لبعض أصحابه: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا) ، وقال أيضا رحمه الله: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله ، يذهبون إلى رأي سفيان، والله سبحانه يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله عليه الصلاة والسلام، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) .

وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى السنة.

وأخرج البيهقي عن الزهري رحمه الله أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وقال موفق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه روضة الناظر، في بيان أصول الأحكام، ما نصه:"والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله ، وقول رسول الله حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره". انتهى المقصود، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: عن أمر رسول الله ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله أنه قال: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } أي: فليخش وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ، أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله: { مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها } [أخرجاه من حديث عبد الرزاق] .

وقال السيوطي رحمه الله في رسالته المسماة"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة"ما نصه: (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون حديث النبي قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) انتهى المقصود. والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدا، وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم إنه سميع قريب.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

المشتاقون لدخول الجنة

ابن القيم الجوزية

دار القاسم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه واقتفا أثره إلى يوم الدين أما بعد:

فقد قال النبي: { قال الله عز وجل: أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فاقرءوا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍن [السجدة:17] } [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] .

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده وجعلها مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.

فإن سألت: عن أرضها وتربتها، فهي المسك والزعفران.

وإن سألت: عن سقفها، فهو عرش الرحمن.

وإن سألت: عن ملاطها، فهو المسك الأذفر.

وإن سألت: عن حصبائها، فهو اللؤلؤ والجوهر.

وإن سألت: عن بنائها، فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، لا من الحطب والخشب.

وإن سألت: عن أشجارها، فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب.

وإن سألت: عن ثمرها، فأمثال القلال، ألين من الزبد وأحلى من العسل.

وإن سألت: عن ورقها، فأحسن ما يكون من رقائق الحلل.

وإن سألت: عن أنهارها، فأنهارها من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.

وإن سألت: عن طعامهم، ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون.

وإن سألت: عن شرابهم، فالتسنيم والزنجبيل والكافور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت