الصفحة 2035 من 3812

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (ج28) : اعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال: { يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر } [رواه أهل السنن] ، وقال: { إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة ما بين السماء والأرض، أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله } ، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال: { مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام } ، وقال رجل: { أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال:"لا تستطيعه". قال: أخبرني؟ قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر؟". قال: لا. قال:"فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله"} . وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.

وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من صوم التطوع، وأفضل من صلاة التطوع. انتهى.

أنوع الجهاد

قال ابن القيم رحمة الله في مختصر زاد المعاد: الجهاد على أربع مراتب:

الأولى: جهاد النفس. وهو أيضًا أربع مراتب:

أحدهما: أن يجاهدها على تعلم الهدى.

الثانية: على العمل به بعد علمه.

الثالثة: على الدعوة إليه، وإلا كان ممن يكتمون ما أنزل الله.

الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيًا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه.

المرتبة الثانية: جهاد الشيطان. وهو مرتبتان:

أحدهما: جهاده على ما يلقي من الشبهات.

الثانية: على دفع ما يلقي من الشهوات، فالأولى بعدة اليقين، والثانية بعدة الصبر، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] .

المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين. وهو أربع مراتب:

أحدهما: القلب. الثانية: اللسان. الثالثة: المال. الرابعة: النفس.

وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.

المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع. وهو ثلاث مراتب:

أحدهما: باليد إذا قدر.

الثانية: باللسان إذا عجز عن اليد.

الثالثة: بالقلب إذا عجز عن اللسان.

فهذه ثلاث عشر مرتبة من الجهاد و { من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق } [رواه مسلم] .

هديه في الجهاد

(كان النبي يستحب القتال أول النهار، فإذا لم يقاتل أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الريح وينزل النصر، وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا، وكان يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدو، وتخير المنازل، وكان يتخلف في ساقتهم في المسير، فيجزي الضعيف، ويروف المنقطع، وكان أرفق الناس بهم في المسير، وإذا أراد غزوة ورى بغيرها، ويقول: { الحرب خدعة } وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه، ويطلع الطلائع ويبث الحرس، وإذا لقي عدوه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم.

وكان يرتب الجيش والمقاتلة. ويجعل في كل كنبة كفئًا لها، وكان يبارز بين يديه بأمره، وكان يلبس للحرب عدته، وربما ظاهر بين درعين، وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قوم نزل بعرصتهم ثلاثًا، ثم قفل.

وكان يرتب الصفوف. ويبعث للقتال بيده ويقول: { تقدم يا فلان، تأخر يا فلان } وكان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه، وكان إذا لقي العدو يقول: { اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم } وربما قال: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:45-46] .

وكان أقربهم إلى العدو. وكان يجعل لأصحابه شعارًا في الحرب يعرفون به، وكان شعارهم مرة: أمت أمت، ومرة: يا منصور.

وكان يلبس الدرع والخوذة. ويتقلد السيف، ويحمل الرمح والقوس العربية ويتترس بالترس، ويحب الخيلاء في الحرب، وقال: { إن منها ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحب الله، فاختيال الرجل بنفسه عند اللقاء، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله عز وجل، فاختياله في البغي والفجور } وقاتل مرة بالمنجنيق، نصبه على أهل الطائف، وكان ينهى عن قتل النساء والولدان، وينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت قتله، وإلا أستحياه.

وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله. ويقول: { سيروا بسم الله وفي سبيل الله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا } وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ويأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى الاسلام والهجرة، أو الاسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين ليس لهم نصيب في الفيء، أو بذل الجزية، فإن هم أجابوا إليه قبل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت