الصفحة 2055 من 3812

فمن كمل هذه المقامات الأربعة فاز بأعظم الربح، واستحق من ربه الكرامة والفوز بالنعيم المقيم يوم القيامة، ومن حاد عن هذه الصفات ولم يتخلّق بها، باء بأعظم الخسران وصار إلى الجحيم دار الهوان، وقد شرح الله سبحانه في كتابه الكريم صفات الرابحين ونوعها وكررها في مواضع كثيرة من كتابه، ليعرفها طالب النجاة فيتخلّق بها ويدعو إليها، وشرح صفات الخاسرين في آيات كثيرة ليعرفها ويبتعد عنها، ومن تدبر كتاب الله وأكثر من تلاوته عرف صفات الرابحين وصفات الخاسرين على التفصيل، كما بين سبحانه ذلك في آيات كثيرة، منها ما تقدم، ومنها قوله جل وعلا: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجر كبيرا [الإسراء:9] ، وقال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب [ص:29] ، وقال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون [الأنعام:155] ، وصح عن النبي أنه قال: { خيركم من تعلم القرآن وعلمه } ، وقال في خطبته في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد يوم عرفة: { إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله } ، فبين الله سبحانه في هذه الآيات أنه أنزل القرآن ليتدبره العباد ويتذكروا به ويتبعوه ويهتدوا به إلى أسباب السعادة والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأرشد الرسول الأمة إلى تعلمه وتعليمه، وبين أن خير الناس هم أهل القرآن الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه غيرهم بالعمل به واتباعه والوقوف عند حدوده والحكم به والتحاكم إليه، وأوضح عليه الصلاة والسلام للناس في المجتمع العظيم يوم عرفة أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين بكتاب الله سائرين على تعاليمه، ولما سار السلف الصالح والصدر الأول من هذه الأمة على تعاليم القرآن وسيرة الرسول أعزهم الله ورفع شأنهم ومكن لهم في الأرض، تحقيقا لما وعدهم الله به في قوله سبحانه: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا [النور:55] ، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [محمد:7] ، وقال تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:40-41] .

فيا معشر المسلمين، تدبروا كتاب ربكم وأكثروا من تلاوته، وامتثلوا ما فيه من الأوامر، واجتنبوا ما فيه من النواهي، واعرفوا الأخلاق والأعمال التي مدحها القرآن، فسارعوا إليها وتخلقوا بها، واعرفوا الأخلاق والأعمال التي ذمها القرآن وتوعد أهلها فاحذروها وابتعدوا عنها، وتواصوا فيما بينكن بذلك واصبروا عليه حتى تلقوا ربكم، وبذلك تستحقون الكرامة وتفوزون بالنجاة والسعادة والعزة في الدنيا والآخرة.

عظيم الأجر في المحافظة على صلاة الفجر

دار الوطن ...

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن والاه.

أيها الحبيب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:

فقد ذكر الله عمار المساجد فوصفهم بالإيمان النافع وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أمها الصلاة والزكاة وبخشية الله التي هي أصل كل خير فقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] .

وحضورك إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة إنما هو عمارة لبيوت الله. والوصية لي ولك، أن نحافظ على هذه الصلاة مع الجماعة لتكون لنا نورًا وبرهانًا يوم القيامة، ولا تنس أنفسهم، وضعف إيمانهم وقل ورعهم، وماتت غيرتهم، فلا يحرصون على حضور صلاة الفجر مع الجماعة ويتذرعون بحجج وأعذار هي أوعى من بيت العنكبوت، وهم بصنيعهم هذا قد آثروا حب النفس وحب النوم على محاب الله ورسوله: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24] .

أخا الإسلام: ألا تحب أن تسعد ببشرى نبيك وهو يقول فيما أخرجه الترمزي وأبو داود وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: { بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة } كسب آخر، إلى جانب النور التام لمن حافظ على صلاة الفجر، ولكنه ليس كسبا دنيويا بل هو أرفع وأسمى من ذلك، وهو الغاية الني يشمر لها المؤمنون، ويتعبد من أجلها العابدون، إنها الجنة وأي تجارة رابحة كالجنة قال عليه الصلاة والسلام: { من صلى البردين دخل الجنة } أي من صلى الفجر والعصر. [أخرجه مسلم] .

فيا له من فضل عظيم أن تدخل الجنة بسبب محافظتك على هاتين الصلاتين، صلاة الصبح والعصر، ولكن إذا أردت أن تعلم هذا فأقرأ كتاب ربك وتدبر وتفهم ما فيه فالوصف لا يحيط بما فيها: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت