الصفحة 206 من 3812

الوجه الأول: أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع ، وكونه مستحقًا للعبادة ، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات ، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية ، والنصارى يدعون إلهية عيسى ، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طااعة الله تعالى وعبوديته ، وهذا القدر متفق عليه ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: { ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا } [ آل عمران: 64 ] .

والوجه الثاني: في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، والإقرار بأنه كان محقًا في قوله صادقًا في دينه ، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام ، فأمر الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل: 123 ] ثم إنه تعالى أمر محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } [ الأنعام: 79 ] فقول محمد صلى الله عليه وسلم: { أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ } كقول إبراهيم عليه السلام { وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى ، وقصدته بالعبادة وأخلصت له ، فتقدير الآية كأنه تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا مستمسك بطريقة إبراهيم ، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة ، بعيدة عن كل شبهة وتهمة ، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات ، وداخلًا تحت قوله { وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] .

والوجه الثالث: في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع ، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير ، ثم قال: { فَإنْ حَاجُّوكَ } يعني فإن نازعوك في قولك { إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } [ آل عمران: 19 ] فقل: الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله ، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية ، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته ، ولا أشرك به غيره ، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية ، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام ، وهذا الوجه يناسب الآية .

الوجه الرابع: في كيفية الاستدلال ، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا } [ مريم: 42 ] يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعًا ضارًا ، ويكون أمري في يديه ، وحكمي في قبضة قدرته ، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادرًا على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له ، وأن انقاد له ، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير ، والشر ، والنفع ، والضر ، والتدبير ، والتقدير .

الوجه الخامس: يحتمل أيضًا أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } [ البقرة: 131 ] وهذا مروي عن ابن عباس .

أما قوله { أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } ففيه وجوه الأول: قال الفرّاء أسلمت وجهي لله ، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له ، ولم يشاركه غيره قال: ويعني بالوجه ههنا العمل كقوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الكهف: 28 ] أي عبادته ، ويقال: هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول: وجهت وجهي إليك ، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه: مرّ على وجهه الثاني: أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله ، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه الثالث: أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته ، عادل عن كل ما سواه .

وأما قوله { وَمَنِ اتبعن } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: حذف عاصم وحمزة والكسائي ، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعًا للمصحف ، وأثبته الآخرون على الأصل:

المسألة الثانية: { مِنْ } في محل الرفع عطفًا على التاء في قوله { أَسْلَمْتُ } أي ومعنى اتبعني أسلم أيضًا .

فإن قيل: لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل: أسلمت أنا ومن اتبعن .

قلنا: إن الكلام طال بقوله { وَجْهِىَ للَّهِ } فصار عوضًا من تأكيد الضمير المتصل ، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال: أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر ، ومن جاء معي جاز وحسن .

ثم قال تعالى: { وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والاميين ءَأَسْلَمْتُمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب ، سواء كان محقًا في تلك الدعوى كاليهود والنصارى ، أو كان كاذبًا فيه كالمجوس ، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت