وروي عن سعيد ين العاص أنه كان يعشي الناس في رمضان، فتخلف عنده ذات ليلة شاب من قريش بعدما تفرق الناس، فقال له سعيد: أحسب أن الذي خلفك حاجة؟ قال: نعم! أصلح الله الأمير. قال: فضرب سعيد الشمعة بكمه فأطفأها ثم قال: ما حاجتك؟ قال: تكتب لي إلى أمير المؤمنين أن علي دينا، وأحتاج إلى مسكن وخادم. قال: كم دينك؟ قال: ألفا دينار، وذكر ثمن المسكن والخادم، فقال سعيد: تكفيك مؤونة السفر، اغد فخدها منا. فكان الناس يقولون: إن إطفاء الشمعة احسن من إعطائه المال، لئلا يرى في وجهه ذل المسألة!!
بشرى للفقراء
قال ابن رجب: وقد كان بعض الصحابة يظن أن لا صدقة إلا بالمال، فأخبره النبي أن الصدقة لا تختص بالمال، وأن الذكر وسائر أعمال المعروق صدقة كما في صحيح مسلم عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال رسول الله: { أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة } .
تصدق بعض الأغنياء بمال كثير،فبلغ ذلك طائفة من فقراء الصالحين، فاجتمعوا في مكان، وحسبوا ما تصدق به من الدراهم، وصلوا بدل كل درهم تدق به لله ركعة !! هكذا يكون استباق الخيرات، والتنافس في علو الدرجات.
فسبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون، إلا وقد جعل الله لمن عجز عملا يساويه ويفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في تحصيل الخيرات ونيل علو الدرجات.
مجالات الصدقة
أخي المسلم: للصدقة مجالات عديدة جدا يصعب حصرها، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض هذه المجالات على سبيل الاختصار:
* الإنفاق على الفقراء والمحتاجين وإسقاط الديون عن المدينين.
* بناء المساجد والإنفاق عليها وعلى الأئمة والمؤذنين والقائمين عليها.
* سقي الماء وحفر الآبار في الأماكن التي لا يصل إليها الماء.
* إطعام الطعام وشراء الملابس وتوزيعها.
* الإنفاق على طب العلم وشاء الكتب والأدوات الدراسية لهم.
* طباعة الكتب والأشرطة الإسلامية وتوزيعها.
* توزيع المصحف الشريف على الشعوب الإسلامية في العالم
* الإنفاق على حلقات تحفيظ القرآن الكريم ورصد المكافآت للطلاب والمدرسين.
* بناء المدارس ودور العلم والمستشفيات.
* بناء الملاجئ ودور الأيتام والمسنين والمساكن للغرباء من طلبة العلم وأبناء السبيل.
* الصدقة على فقراء الحجاج والمعتمرين والزوار وتوفير الطعام والشراب والمراكب لهم.
* الإنفاق على الأرامل والأيتام وكبار السن.
* الإنفاق على الجهاد والمجاهدين ودعم المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
* مساعدة الشباب المسلم على الزواج.
* الإنفاق على الدعاة وإرسالهم إلى مشارق الأرض ومغاربها.
* رعاية الأقليات المسلمة في العالم، وربطهم بدينهم حتى لا تذوب هويتهم الإسلامية.
* تخصيص الأموال للجوائح والعوارض الطارئة كالحرائق والأمراض والكوارث والزلازل والسيول وغيرها.
* الإنفاق على مغاسل الأموات التي تقوم بتجهيز الموتى مجانًا.
أصحاب الهمم العالية
أخي المسلم: صاحب الهمة العالية، والنفس الشريفة لا يرضى بالأشياء الدنية الفنية، وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الذاكية التي لا تفنى، ولا يرجع عن مطلوبه ولو تلفت نفسه في طلبه، ومن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه.
قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد قال: كرامته أريد!
تعبت في مرادها الأجسام *** وإذا كانت النفوس كبارا
ما لجرح بميت إيلام *** من يهن يسهل الهوان عليه
قال عمر بن عبد العزيز: إن لي نفسا تاقة، ما نالت شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وأنها لما نالت هذه المنزلة - يعني الخلافة - يعني الآخرة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم*** وتأتي على قدر الكرام المكارم
قيمة كل إنسان ما يطلب، فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه، فإن الدنيا دنية، وأدنى منها من يطلبها، وهين خسية، وأخس منها من يخطبها. قال بعضهم: القلوب جوالة، فقلب يجلو حلول العرش، وقلب يجول حول الحش.
العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو المدرجات، والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات، وتوصل إلى اللذات والمحرمات.
العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه، ويبذل ماله في الوصول إلى رضا محبوبه، فأما خسيس الهمة فأجتهاده في متابعة هواه، ويتكل على مجرد العفو، فيفوته - إن حصل له العفو - منازل السابقين.
قال بعض السلف: هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين؟!
فيا مذنبا يرجو من الله عفوه أترضى بسبق المتقين إلى الله؟!
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصادر: الحدائق لابن الجوزي. عدة الصابرين لابن القيم. الفوائد لابن القيم. لطائف المعارف ابن رجب.
قسوة القلوب أسبابها وعلاجها
مكتب الدعوة و الإرشاد بسلطانة
أخي وأختي في الله...
أحييكم بتحية أهل الجنة...
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد..
فإن من الابتلاءات التي بليت بها هذه الأمة ابتلاء عظيم ومرض عضال وداء فظيع ومصيبة كبرى ألا وهو:
قسوة القلوب
ففي هذه الرسالة نصيحة أرجو من الله الجواد الكريم أن ينفعنا بها جميعا وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
وفي البداية هذه الرسالة نتعرف جميعا على أسباب قسوة القلوب وكيفية علاجها.
الأسباب