فهرس الكتاب
وفي تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) . قال السعدي رحمه الله:"أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة". أ.هـ
ولأن العلماء فهموا مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم كما فهمه السلف الصالح، فهم أقوى الناس ثباتًا على هذا الدّين.
وللأسف ينادي بعض المنافقين التغريبيين اليوم بدعوة جديدة وهي أن نبقي النصوص كما هي، وأن نرجع إليها، لكن بفهمنا بما يوافق مقتضيات العصر - بزعمهم - لا بفهم أسلافنا، وهذه دعوة خبيثة.
إذا أردت أن تنظر إلى مكانة أمةٍ ما بين الشعوب فانظر إلى مكانةِ علمائها في المجتمع الذي يعيشونه.
لقد أصبح كثيرٌ من السفهاء من أمم الشرق والغرب، بل ممن هم بين ظهرانينا، أصبح كثيرٌ منهم يُجترئ على الثلب والطعن في علماء الأمّة، ونرى من الجهلاء انشغالًا بأخطائهم، وهذا إذا سلّمنا أنها أخطاء فقد تكون غير ذلك.
فكثير من الجهلة اليوم يُبيحون لأنفسهم الثلب في عالمٍ ما لأنه أخطأ!. وفي النهاية قد نجد المسألة التي جزم هذا الجاهل بأنها خطأ، ليست إلا مسألة خلافية أخذ الشيخ فيها بقول مرجوح. ومَن يسلم من هذا؟!.
ومما يؤسف له أن أهل البدع والخلل العقدي يُكنون لأئمتهم ومشايخهم الولاء والحب، وبعض أهل السنة إذا أتت المصيبة يبدأون بعلمائهم وقادتهم فيهاجمونهم، وهذا مما يندى له الجبين.
سابعًا: الاستعداد العلمي والإيماني لصدِّ التغريب:
لا أنصح الشباب بالخوض في النقاشات الفكرية في سنٍ مبكرة، وهذا أمرٌ انتشر في الآونة الأخيرة.
فقد نجد شابًا ضعيفًا من ناحية الرصيد العلمي، أو حتى بلا رصيدٍ من علم، نجده يحاول التصدّي لمثل هذه القضايا، فيستمع لهذه الشُبَهِ التي تُلقى في قلبه فتبقى منها رواسب تجتمع ثم تتراكم في قلبه شيئًا فشيئًا، حتى تأتي ساعة لا يجد إلا أن يخضع لمثل هذه الأفكار والآراء. وكم من رجل فاق الناس علمًا وتقوى، فإذا به في طرفة عين ينكص على عقبيه، ويتخذ هواه إلهًا من دون الله، والله المستعان.
لقد أصبحت المجالس اليوم كأنها منتديات للمضرّة، يُطرح فيها الغث والسمين، فيتفرق الناس، وقد اكتسبوا ما يضرهم في دينهم ودنياهم، وما يحبط عملهم في أخراهم، فالحجة هي السلاح في مثل هذه المواضع، ومن لا حجة لديه فكأنما دخل معركةً بلا سلاح، فهو هالكٌ لا محالة.
و كم تأثر متأثر نتيجة جهله وإقدامه على مثل هذه الأمور من دون مشورة أو علم، فضلَّ وأضل.
و أخيرًا:
هذا جهدي، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من زلل أو خطأ فمن نفسي والشيطان.
أسأل المولى القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُعز الإسلام والمسلمين، وأن يُمكّن لعباده الصالحين في الأرض، وأن يُصلح أحوالنا، إنه ولىُّ ذلك والقادرُ عليه.
و صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تربية الأستاذ لتلاميذه (1-2)
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على نبينا محمد.. وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد.
فأني أقدم هذه القطوف المفيدة للأستاذ الذي جعل همه تعليم العلم والعمل، وغرسها في نفوس تلاميذه.. وللتلاميذ الذين يهمهم التلقي السليم المفيد الذي يثمر به نفوسهم العلم والعمل..
أسأل الله أن ينفعني وإخواني المسلمين به إنه على كل شئ قدير.. وصلى الله وسلم على خير المعلمين وعلى آله وصحبه خير من تلقى عنه وطبق ما تعلمه في واقع الحياة..
البحث الأول
قوة الصلة بالله
إن أول هدف يجب أن يضعه نصب عينه المعلم والمتعلم على السواء هو أن يكون الغرض من التعليم والتعلم قوة الصلة بالله، وعبادته سبحانه على الوجه الذي يرضاه؛ فإن عبادته هي الغاية من خلقنا، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} .
كيف تحقق قوة الصلة بالله؟
وتتحقق قوة الصلة بالله بأن يكون المؤمن كله لله تعالى كما قال عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
ولنفصل ذلك بعض التفصيل في الأمور الآتية:
ا- الإخلاص:
والمراد بالإخلاص: تصفية العمل وتنقيته من شوائب الشرك بالله تعالى، سواء كان شركا أكبر - وهو الذي قال الله تعالى فيه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} - أو شركا أصغر، ومنه إرادة الإنسان بعمله الرياء، أي: مراءاة الناس، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .
وقال تعالى في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"، وقد أمر الله بالإخلاص في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في نصوص كثيرة، قال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فان لم تكن تراه فإنه يراك"، وقال:"اتق الله حيثما كنت".