فهرس الكتاب
وبالصبر على البلاء يَدْخل المؤمنُ الجنة فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي . قال: إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك . فقالت: أصبر ولكني أتكشّف فادع الله أن لا أتكشّف فدعا لها ) متفق عليه . وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه( أي عينيه ) فصبر عَوّضتُهُ منهما الجنة ) رواه البخاري . وفيه أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( من يرد الله به خيرًا يصب منه ) .
وشأن أهل الإيمان أنهم يقابلون البلاء بالصبر والنعمة بالشكر فكل أمرهم خير قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كُلَّه له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سَرّاءُ شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له ) رواه مسلم . وفي الحديث الصحيح عند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: صلى الله عليه وسلم فيا من أصيب بفقد عزيز عليه ، ويا من يضيق بدينٍ عليه ، ويا من قد ابتلي بمرض يقلقه أولدٍ يَعُقُه أو منافق يؤذيه: صبرٌ جميل فإن النصر مع الصبر ، وبالصبر يتوقع الفرج ، ومن يُدمن قرع بابٍ يلج ، والصابر ثوابه الجنة .
يا هؤلاء: إن الجزعَ لا يردُّ الغائب ، ولكن يسرُّ الشامت ، ومن قَلَّ صبره عَزَب رأيه واشتدَّ جزعه فصار صريع همومه وفريسة غمومه وقد قال تعالى: { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } .
إن الأمور إذا سُدّت مطالبها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتَتَجا
لا تيأسنَّ وإن طالت مِطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا
اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمنِ القرع للأبواب أن يلجا
وتأسوا بذوي الغير ، وتسلوا بأولي العبر ، فهم الأكثرون عددًا الأسرعون مددًا ، فستجدون من سلوة الأسى ، وحسن العزا ، ما يخفف المصاب والبلاء ، فلقد جرى من الابتلاء للرسل والأنبياء والصالحين والأولياء من التكذيب والأذى فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله وفرجه .
أيها المسلمون:
خير ما تواجه به المصائب والنكبات ، الإيمان الصادق بالقضاء والقدر وأن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه وما أخطاؤه لم ليصيبه . ومعرفته بعظيم ثواب المصيبة وجزيل أجرها . والالتجاء إلى اله عند وقوع ما تكره بكثرة الدعاء ودوام الاستغفار وكثرة الصدقة والإحسان على الفقراء والأيتام والمحتاجين ، هذا ومما ينبغي أن تتذكره أن هذه الدنيا متاعٌ زائل وأن الآخرة هي دار الجزاء والقرار .
ألا فاتقوا الله رحمكم الله وتسلحوا بالصبر ورَبُّوا أنفسكم عليه فإنه خير ما أعطي المرء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ومن يتصبّر يصبِّره الله وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر ) متفق عليه .
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الصبر ثوابه وأثره
الحمد لله الذي وعد الصابرين والصابرات مغفرةً وأجرًا عظيمًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب المشرق والمغرب فاتخذه وكيلا ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: اعلموا أنه لما كان الصبر بهذه المنزلة من الدين أعدَّ الله للصابرين جزاءً عظيمًا فجاء في كتاب الله بأن أهل الصبر يستحقون البشرى فقال: { وبشر الصابرين } كما أخبرنا ـ سبحانه ـ بأن الصبر هو طريق الخير فقال: { وإن تصبروا خيرٌ لكم والله غفور رحيم } . كما جاء في كتاب الله أنه ـ سبحانه ـ يحب أهل الصبر فقال: { والله يحب الصابرين } وبأن عاقبة الصبر الجنة قال سبحانه عن عباد الرحمن: { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقّون فيها تحية وسلاما } .
فلا عجب ـ عباد الله ـ أن يسبق إلى مقام الصبر أنبياء الله والصالحون من عباده .
هذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ صبر على طاعة الله ورابط وقال الله فيه: { وإبراهيم الذي وفى } قال ابن عباس: ما قام أحدٌ بدين الله كلِّه إلا إبراهيم عليه السلام قدم بدنه للنيران ، وطعامَه للضيفان وولَده للقُرْبان ولذا جعل الله هذه النار التي أوقدت له بردًا وسلامًا قال تعالى: { قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم } .
نوح عليه السلام صبر على دعوته ألف سنة إلا خمسين عامًا . وأيوب عليه السلام تقلب في البلاء ما يقرب من عشرين عاما فنادى ربه { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } فاستجاب الله له وكشف ضره وقال عنه: { إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب } .
أما إمام المتقين محمد ابن عبد الله خليل الله ورسوله فقد بلغ الغاية في الصبر في ذات الله وعلى طاعته وأقداره .
المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الصبر والمصابرة