الصفحة 2123 من 3812

«إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير! ونظرة إلى صحافتها، وأفلامها، ومعارض أزيائها، ومسابقات جمالها، ومراقصها، وحاناتها، وإذاعاتها، ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري، والأوضاع المثيرة، والإيحاءات المريضة، في الأدب والفن وأجهزة الإعلام كلها... نظرة إلى هذا تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية في ظل هذه الجاهلية، إن البشرية تتآكل إنسانيتها، وتتحلل آدميتها، وهي تلهث وراء الحيوان، ومثيرات الحيوان، لتلحق بعالمه الهابط...» (1) .

هذا ما قاله سيّد قطب ـ رحمه الله ـ منذ أكثر من خمسين عامًا، فكيف لو أدرك هذا الزمان بقنواته الفضائية المتهتكة، ومواقع الفجور في الإنترنت ونحوهما؟! أضف إلى ذلك قرارات ومؤتمرات المنظمات الدولية التي تبيح ما حرّم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من الفواحش والخنا: كالزنى، واللواط والسحاق، بل تسن هذه المنظماتُ القوانينَ في سبيل حماية ورعاية الفجور وأهله!

ويقول سيّد في موطن آخر: «وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله، وبخاصة في علاقات الجنسين، شاق مجهد، والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح! وهذا وهم كبير.. فإطلاق الشهوات من كل قيد، والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي.. إن هذه تبدو يسرًا وراحة وانطلاقًا، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة، وعقابيلها في حياة المجتمع عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة.

والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي (تحررت) من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب، لو كانت هنالك قلوب!

لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المِعْول الأول الذي حطم الحضارات القديمة، وحطم الحضارة الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة» (2) .

إن الولوغ في الفواحش لا يزيد الأمر إلا ولعًا وإدمانًا على ذلك، فسعار الشهوات لا حدّ له ولا انقضاء.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بدّ لهم منه...» (3) .

والناظر إلى حال المسلمين ـ فضلًا عن غيرهم ـ يلحظ أن هذا الركام من الفواحش والقاذورات قد عمّ وطمّ، إذ استحوذت هذه الملذات المحرمة على فئام من المسلمين عبر وسائل كثيرة وميسرة، فآل بالكثير منهم إلى الانحلال والسفول، والتفلت من أحكام الشرع المطّهر.

وهذا الأمر الجلل يستوجب ما يلي:

< علينا ابتداءً أن نسمي الأمور بأسمائها الواردة في نصوص الوحيَيْن، فما يسمى الآن بالعلاقات الجنسية المشبوهة أو الممنوعة، أو المشاهد الإباحية ونحوها، فعلينا أن نطلق عليه: فواحش، وقاذورات، وزنى، وخبائث، قال تعالى: { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] ، وقال سبحانه: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] ، وقال تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء: 74] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته، نُقِمْ عليه كتاب الله» (1) .

إنّ في هذه الأوصاف استبشاعًا واستقباحًا لتلك الأفاعيل، وتنفيرًا وتحذيرًا منها، خلافًا للتعبيرات المعاصرة التي قد تهوّن سُبل الغواية، بل ربما عُبِّر عن هذه القبائح بأسماء محبوبة للنفوس.

يقول ابن القيم في هذا المقام: « وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من العبارات، وتخيّروا لها من الألفاظ الرائقة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة ـ وأكثر الخلق كذلك ـ حتى إن الفجار ليسمون أعظم أنواع الفجور بأسماء لا ينبو عنها السمع، ويميل إليها الطبع، فيسمون مجالس الفجور والفسوق: مجالس الطيبة...» (2) .

< على أهل العلم والدعاة أنت يبيّنوا حكم الله تعالى في أرباب الفواحش، وأن يظهروا أحكام الشريعة على أصحاب الفجور، فالزنى من كبائر الذنوب والموبقات كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان» (3) ، فإذا كان هذا حال الزاني، فكيف بما هو أشنع من ذلك؟

كما على أهل العلم والدعاة أن يبلغوا حكم الله تعالى والذي يجب إنفاذه في حق أهل الفجور، وإن تعذّر تطبيقه، فالرجم بالحجارة حتى الموت هو حكم الله تعالى في الزاني المحصن، وأما البِكر فجلد مائة وتغريب عام، وأما الذين يقارفون عمل قوم لوط، فعقوبته أغلظ من عقوبة الزاني، فقد أجمع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على قتل اللوطي، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فمنهم من يرى تحريقه بالنار، ومنهم من قال يُرمى من شاهق... كما جاء مبسوطًا في موضعه.

< والمقصود تكثيف البرامج الدعوية بشأن شناعة الفواحش، وبيان مفاسدها وعواقبها الوخيمة في الدارين، فمن العجب أن يجاهر دعاة الرذيلة بفجورهم وفسوقهم، بينما يلوذ بالصمت الكثير من دعاة الفضيلة والعفاف!

فالمتعيّن أن نجهر بالفضيلة والطهر والنقاء، وندافع بكل حزم هؤلاء الدعاة العاكفين في أوحال القاذورات، ومستنقع الشهوات، بما يدرأ فجورهم ويكفّ غيّهم.

«نحن نعلم أن بعض الناس يعيش أغلب أوقاته في شبكة (المجاري) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت