فهرس الكتاب
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله للإيمان مناديا، وإلى الجنة داعيا،إلى صراطه المستقيم هاديا،فأنقذ الله به أقواما من الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والملة الحنيفية ، وتربى على يديه أئمة أبرار دعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ،فأحيا الله بهم القلوب وأنار بهم السبل ، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وارض اللهم عن أصحابه المهتدين واجمعنا بهم في جنات النعيم .
أما بعد:
فقد سعد - والله - من لزم تقوى الله و أفلح من تمسك بدينه، ولم يغترر بمناهج الحياة ، وفاز من عمل وأيقن أنما الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار .
أيها الأخوة: كل أمة لها ميزان تزن به أفرادها: وميزان أمة الإسلام الذي يوزن به الرجال، هو مقدار ما يحملونه من الدين والإيمان، والعفة والقرآن، والتقوى واليقين، والدعوة والجهاد، فمن كان اتقى، كان بالمجد والهدى أجدر وأولى ، والإنسان- الذي نور الله بصيرته- إذا أبصر الحق والهدى تعلق به ، وجاهد من أجله ، بل هجرله الأهل والأوطان ، وسائر متع الحياة الزائفة وهذا ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ، ولا سيما ذلكم الشاب التقي مصعب بن عمير رضي الله عنه: الذي نور الله قلبه ، فأسلم طائعا وهاجر معلما وداعيا ، ومات شهيدا مجاهدا، إنه الشاب الذي حمل أعباء الدعوة إلى الله عقيدة وسلوكا وعذابا وجهادا ، فحينما لامس الإيمان شغاف قلبه انسلخ من الجاهلية ، وصار حنيفا مسلما موحدا ، نعم إنه مصعب بن عمير: الذي كان في ذروة قريش حسبا ونسبا
نشأ من أبوين كانا يحبانه حبا شديدا ، ويغدقان عليه صنوف النعم ، حتى أنه كان يعرف في مكة بأنه أعطر أهل مكة ، يلبس أحسن النعال وأفضل الثياب ، ويأكل أطيب الطعام ، واشتهر في مكة بأنه الشاب الذي يمتلئ حيوية وجمالا ، يؤكد ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه بعد إسلامه وعليه ثوب غليظ ، فقال: (( انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه، لقد رأيته عليه حلة شراها بمائتي درهم فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون ) ).
ومما يروى عنه أيضا قوله: (( ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة وأرق حلة ولا أنعم من مصعب بن عمير ) ).
فلما أراد الله به خيرا، استجاب لدعوة الحق في وقت كان المسلمون يعانون من أذى الشركين وتسلطهم، فدخل مصعب بن عمير إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه، وخرج فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فكان يتردد إلى رسول الله سرا.
لقد أسلم مصعب رضي الله عنه مع علمه أن طريق الدعوة في هذا الظرف؛ وفي كل ظرف طريق شاق محفوف بالمكاره، مملوء بالصعاب، ولكن بالصبر والإيمان واليقين ينال ما عند الله من الثواب والنصر المبين، وهذا ما حصل لمصعب فقد قاسى الفقر والجوع بعد حالة الغنى والشبع، وتعرض لمحنة الأهل والأقارب والعشيرة، الذين أرادوا صده عن دينه لولا تثبيت الله له .
قال أهل السير: لما أسلم مصعب أصابه من الشدة ما غير لونه، وأذهب لحمه، وأنهك جسمه، ثم صب عليه العذاب، وقيد في الأصفاد بعد أن كان حرا سيدا، فأخذه أهله وقومه وحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هاجر إلى الحبشة، واستمع إلى سعد بن أبي وقاص وهو يصف شدة الأمر على مصعب الذي لم يعتد إلا الرعاية وحسن المطعم والملبس من أبويه يقول سعد عن المحنة التي أصابت المسلمين في مكة في حصار الشعب: (فأما مصعب بن عمير فإنه كان أشرف غلام بمكة بين أبويه فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا) .
الله أكبر! هكذا يفضل مصعب حياة الفقر والشدة مع الإيمان، على الرفاهية ورغد العيش مع الكفر، وهو بهذا قدوة لكل شاب مؤمن يتعالى على متع الحياة وشهواتها التي تقطعه عن الله والدار الآخرة.
أيها المسلمون: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلقاه المسلمون من الأذى، أذن لهم بالهجرة إلى الحبشة، فهاجروا ومعهم مصعب بن عمير، ثم سمعوا بعد أشهر بأن المشركين قد قطعوا الأذى وهادنوا المسلمين في مكة، فقدموا من أرض الحبشة، فلما اقتربوا من مكة تبين لهم أن الخبر غير صحيح ، فعادوا مهاجرين مرة أخرى يفرون بدينهم من الفتن، وبعد مدة من الزمن قدم مصعب إلى مكة، ثم أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم معلما وداعيا إلى الله في المدينة المنورة، وأسلم على يديه أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ؛ وكفى بذلك فخرا وأثرا في الإسلام .
فقد كان مصعب بن عمير من فضلاء الصحابة وخيارهم، كان في سيرته وخلقه، وصدق إيمانه وحسن سلوكه، مثالا للداعية الصادق، عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: (كان مصعب بن عمير رضي الله عنه لي خدنا وصاحبا منذ يوم أسلم إلى أن قتل رحمه الله بأحد، خرج معنا إلى الهجرتين جميعا بأرض الحبشة، وكان رفيقي من بين القوم، فلم أر رجلا قط أحسن خلقا، ولا أقل خلافا منه) .