فهرس الكتاب
عباد الله: وفي غزوة أحد، يخرج المسلمون مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويحمل مصعب اللواء أيضا ويدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاع الأبطال، ويتجه المشركون نحو اللواء، فأقبل رجل منهم فضرب مصعب مع يده اليمنى فقطعها؛ ومصعب يقرأ: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) (آل عمران: 144) .
ثم يأخذ اللواء بيده اليسرى، فقطعت فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، فقتل رضي الله عنه وسقط على الأرض، فرضي الله عن مصعب الخير يوم أن أجاب داعي الله فآمن بالله ، ورفض كل تهديد وإغراء، ومتع عاجله، وجاهد في سبيل الله حتى استشهد ولم يأكل من زهرة الدنيا شيئا وما عند الله خير للأبرار.
عن خباب بن الإرت رضي الله عنه قال:هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله فمنا من قضى ولم يأكل من أ جره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا نمرة، إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اجعلوا ما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر ) )ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها، وعن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائما فقال: (قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه، إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ) [3] .
فرحم الله أولئك الأقوام، الذين سبقت لهم الحسنات الماحية والجهاد والإيمان، ومع هذا صبروا في ذات الله وخافوا على أنفسهم من زهرة الدنيا، فماذا عسى أن نقول أحوالنا وقد عصفت بنا أمواج الحياة، وغرق الكثير في بحر الدنيا المتلاطم بالشبهات والشهوات .
أفما رأينا من أكل الربا وتعامل به ، أما وجد من أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب المحرمة ؟ أما خف ميزان الصلاة التي هي عماد الدين عند الكثير .
أما صار عدد من أهل الإسلام يتلقفون ثقافة الغرب الكافر والملحدين والمشبوهين ، ويستقبلون عن طريق الشاشة ألوان الفتن والفواحش والنكرات .
لقد ساهمت الفضائيات والإعلام الفاسد، مساهمة كبيرة في صرف المسلمين إلى مباهج الحياة الفانية، والإعراض عن الدين الحق والصراط المستقيم، فعاد الإسلام غريبا كما بدأ، وتسلطت أمم الكفر والوثنية ، وأهل الإجرام والظلم على الحق وأهله والدين وأنصاره، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فيا عباد الله: ألسنا نريد الجنة كما أرادها مصعب بن عمير وإخوانه الأكرمين رضوان الله عليهم أجمعين، إذا فلماذا لا نسارع في مرضاة ربنا وحفظ حدوده، لماذا لا نكون لله كما يريد، ليكون لنا كما نريد؛ فإن الجزاء من جنس العمل، ومن قدم شيئا قدم عليه، وكما تدين تدان (( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ) (الجاثية: 21) .
فإلى التوبة النصوح يا عباد الله (( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ) (العنكبوت:75) .
طال الزمن أو قصر والموت يأتي بغتة، ومن لم يمت فجأة مرض فجأة .
فتقوا الله - رحمكم الله - واعلموا بإخلاص، وكما أيقنت بأن الله غفور رحيم، فأيقنوا بأنه شديد العقاب، وأنه يغار وغيرته أن يأتي المؤمن ما حرم عليه , اللهم وفقنا للتوبة الصادقة، وارزقنا الخشية والإخلاص والمراقبة ، اللهم أعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم أعز الإسلام والمتمسكين به، اللهم دمر من أراد بالمسلمين سوءا أو فتنة، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلهم على الخير أعوانا،ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
[1] وورد في كتاب) وفاء الوفاء): (1/225) إنه قرأ عليه من سورة الزخرف (( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِين* ِإِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (الزخرف:1-3) .
[2] محمد رسول الله - العرجون 2/386.
[3] رواه البخاري .
صنائع المعروف