الصفحة 2146 من 3812

أيها المسلمون: لقد كان إحساس أسلافنا بالآخرين، إحساسًا مرهفًا، يصدر من شغافِ القلب، ويلامسُ شفافية الروح، كانوا شديدي الحبِ للفقراءِ والمساكين، كثيري التفقد للضعفاء والمحاويج، حتى إنّ زبيد الحارث الكوفي، كما ذكر الذهبي في السير- كان يخرج في الليلة المطيرة، يطوف على عجائز الحي، يقول ألكم في السوق حاجة؟ ألكم في السوق حاجة؟! فما الذي أخرجه ؟ ولماذا في الليلة المطيرة بالذات؟ فكر أخي أنت بالإجابة، وأما حكيم بن حزام فيقول عن نفسه: ما أصبحتُ وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها مصيبة، احتسب أجرها على الله، وإن تعجب من هذين الشهمين الكريمين ! فعجب حالُ علي بن الحسين في الليل يخرج يحمل الطعام على ظهره، يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: إنّ الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب، بل إنّ محمد بن إسحاق ليذكر عن علي هذا، أنّ أناسًا كانوا يعيشون بالمدينة لا يدرون من أين يأتيهم معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك المعاش، ألا ليس المحروم من فقد المال والطعام والشراب، فهذا أجره على الله، ولكن المحروم من قدر على الإحسان بماله ونفسه وجاهه ، فاستبدت به أنانيتُه، وأحاطت به خطيئتهُ، واستولى عليه جشعُه، فلم يعبأ بمحتاج ولا مسكين، ولا أرملة ولا يتيم، ألا ذلك هو الخسران المبين .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة، وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين،

أمَّا بعدُ: أيها المسلمون: فإنّ في بعض مجتمعات المسلمين اليوم، أُسرًا يدكها الفقر دكا، ويهدها العوزُ هدًا، يئنُ أطفالهُا من الجوع، ويقض مضاجعتها طرقات صاحب البيت يطلب الإيجار، فمن لهؤلاء بعد الله؟! في بيوت المسلمين الأرملة البائسة، والعجوز اليائسة، واليتيم المفجوع، والمقعد المحروم ، فمن يقضي حوائجهم ، ومن يخفف آلامهم، ومن يجفف دموعهم ، ابتغاء ما عند الله من الأجر والثناء الجميل؟! هل أدرك الخيرون على وجه الخصوص مدى فعالية الدعوة إلى الله، من خلال بذل الإحسان لأولئك؟! وبذل صنائع المعروف لهم؟! هل أدرك الحريصون، على الدعوة إلى الله ، أنّ مجال الدعوة ليس وقفا على الشريط، والكتيب ، والنشرة، والموعظة؟! ولكن مجالها ، ممتد الجوانب ، فسيح الأرجاءِ ، مترامي الأطرافِ، وأنّ من لا يمكن دعوته بالموعظة المؤثرة ، والنصيحة المعبرة، قد يستجيب من خلال الإحسان إليه ، وخدمته في نفسه وولده .

أيها المسلمون، إننّا قد نفهم ما يحدث في بلاد الغرب، أو الشرق الكافرين ، من انقطاع وشائج الرحمة ، وانهيار جسور المحبة والوئام ، وما أدى إليه ذلك الانقطاع والانهيار ، من جفاف في المعاملة ، وغياب للإحسان، لكننّا عاجزون عن فهم ما يحصل في بعض مجتمعات المسلمين ، من تصرفات مماثلة، اللهم إلا إذا كان بريق الإيمان ، قد خبت لمعانه في القلوب ، وتكدر صفاؤه في النفوس ، فأضحى الكثيرون أنانّي الطباع ، ميتي الإحساس ، لا همَّ لهم إلا أنفسهم وذراريهم ومصالحهم، قد تبلدت مشاعرهم، وتجمدت عواطفهم. فعز الإحسان في حياتهم، وندر المعروف أن تبذله أيديهم، إننّا معاشر المسلمين، مدعون إلى تلمس احتياجات الآخرين، وإسداء المعروف للمحتاجين، دون منٍ أو أذى ودون انتظار لشكر أو ثناء أو دعاء، فقد كانت عائشة رضي الله عنها، إذا أرسلت إلى قوم بصدقةٍ تقول لمن أرسلته بها، اسمع ما يدعون به لنا، حتى ندعو لهم بمثله، ويبقى أجرنا على الله .

قال شيخ الإسلام في فتاويه: ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، فالعجل العجل يرحمك الله إلى البر والإحسان، وصلة الآخرين بجاه أو مال، فما يدريك؟ رب حاجة تقوم بها لأرملة، أو رب مسحة على رأس يتيم، أو كفكفةٍ لدمعة محروم ، تكون هي سبب دخولك الجنة، فإنّ للجنة أبوابًا، ولدخولها أسبابًا، فاحرص على ما ينفعك ولا تعجز .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيمانًا يُباشرُ قلوبنا، ويقينًا صادقًا، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ، والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين،لا ضاليَن ولا مُضلين، بالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين، ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي .

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ، يا عزيزُ يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

أيها السائحون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت