فهرس الكتاب
والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق في الدنيا ، ومن سوء عاقبة في الآخرة ، { لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ } أى الثابتون فيه ، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها ، ورسخت في نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده ، أو هوى يعبث به ، أو ريب يزعزعه .
{ والمؤمنون } أى منهم . وقد وصفوا بالإِيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ في العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى .
وقوله { يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } خبر لقوله { الراسخون } . أى هؤلاء الراسخون في العلم من أهل الكتاب والمؤمنين منهم بالحق ، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن ، ويؤمنون بما { أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله .
وقوله: { والمقيمين الصلاة } للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح . أى: وأمدح المقيمين الصلاة .
قال صاحب الكشاف: وقوله { والمقيمين الصلاة } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع . وقد كسره سيبويه على أمثله وشواهد . ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف: ورما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإِنجيل ، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإِسلام ، وذب المطاعن عنه ، من أن يتكروا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم . وخرقا يوفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على { بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ } أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء . وفى مصحف عبد الله: { والمقيمين } بالواو: وهى قراءة مالك بن دينار ، والجحدرى ، وعيسى الثقفى .
وقوله: { والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر } معطوف على { الراسخون } أو على الضمير المرفوع فى { يُؤْمِنُونَ } .
أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله . { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } .
والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم . فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ في العلم ، ثم وصفهم - ثانيا - بالإِيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات ، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ثم وصفهم - رابعًا - بإيتاء الزكاة لمستحقيها ، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيمانًا حقًا ، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب .
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين ، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال: { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } .
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب ، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح .
هذا . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود ، وعن أخلاقهم السيئة ، وعن فنون من راذئلهم وقبائحهم . . . . فأنت تراها - أولا - ستجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله ، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده ، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه ، ونقضهم للعهود والمواثيق ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف ، وبتهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة ، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله . . . إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم .
ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم ، وعفوه عنهم ، ونعمه عليهم ، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا ، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم .
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة ، فاشكروه على نعمه ، وتوبوا إليه من ذنوبكم ، فإن الإِصرار على الماصى يؤدى إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة .
ثم تراها - ثالثًا - تدافع عن عيسى وأمه دفاعا عادلا مقنعًا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان ، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم ، وأنهم في أقوالهم ما يتبعون إلا الظن ، { وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا } ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها في شأن عيسى ، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبوم مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وسيؤمنون به عند نزوله في آخر الزمان ، أو عندما يكونون في اللحظات الأخيرة من حياتهم ، حين لا ينفع الإِيمان .
ثم تراها - رابعًا - لا تعمم في أحكامها ، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أ ، تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله ، وتتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة .
بعد كل ذلك تمدح الراسخين في العلم منهم مدحا عظيما ، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما ، وتبشرهم بالأجر الحزيل الذى يشرح صدورهم ، ويطمئن قلوبهم . { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ } (1)
فالعلم الراسخ ، والإيمان المنير ، كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله . كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1134)