فهرس الكتاب
المسألة الثانية: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخًا بهذه الآية؛ وتقريره أنه تعالى قال: إن في التوراة هدىً ونورًا . والمراد كونه هدىً ونورًا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخًا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدىٌ ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معًا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضًا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بدّ وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلًا فيها .
المسالة الثالثة: قوله { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } يريد النبيّين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها .
فإن قيل: كل نبي لا بدّ وأن يكون مسلمًا ، فما الفائدة في قوله { النبيون الذين أَسْلَمُواْ } .
قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله { أسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني: قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له ، كقوله تعالى: { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل: 120 ] وقوله { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } [ النساء: 45 ] وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلًا لأكثر الأنبياء . الثالث: قال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى: { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع: المراد بقوله { النبيون الذين أَسْلَمُواْ } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . المسألة الرابعة: قوله { لِلَّذِينَ هَادُواْ } فيه وجهان: الأول: المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني: يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .
المسألة الخامسة: أما الربانيون فقد تقدم تفسيره ، وأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء ، واختلف أهل اللغة في واحده ، قال الفرّاء: إنما هو «حبر» بكسر الحاء ، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به ، وذلك أنه يكون صاحب كتب ، وكان أبو عبيدة يقول: حبر بفتح الحاء . قال الليث: هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها . وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر ، وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين ، وفي الحديث"يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره"أي جماله وبهاؤه ، والمحبر للشيء المزين ، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به . وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به ، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة ، والله أعلم .
المسألة السادسة: دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالًا من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين ، والأحبار كآحاد العلماء .
ثم قال: { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حفظ كتاب الله على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى . الثاني: أن يحفظ فلا يضيع ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم ، والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه .
المسألة الثانية: الباء في قوله { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } فيه وجهان: الأول: أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . الثاني: أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزجاج .
ثم قال تعالى: { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله ، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير .
ثم قال تعالى: { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشونى } واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة ، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنعهم من التحريف والتغيير .