فهرس الكتاب
وهذا واقع بمشيئة الله تعالى وتقديره، وله الحكمةُ البالغة ، وهذا الاختلافُ ينشأ عنه تباغض واقتتال وتباين، لأنَّهُ اختلافٌ جذري، اختلا فٌ بالإيمان والكفر، كما قال الله تعالى: (( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) ) (البقرة:253) .
فهذا اختلافٌ قدره الله وقضاه، ولا يزال الناس مختلفين ذلك الاختلاف، كما قال تعالى: (( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ) (هود:118، 119) .
وهذا يدلُ على استمرار هذا الاختلاف بين الحق والباطل ، بين أولياء الله وأعداء الله ، بين حزب الله وحرب الشيطان ، فهما حزبان مختلفان على ظهر هذه الأرض، فهذا اختلاف الحق فيه بيّن ، الحق فيه ما عليه الرسل وأتباعهم ، فمن أراد النجاة والسعادة والفلاح فليكن في هذا الجانب ، ومن كان في الجانب الآخر فقد شاق الله ورسوله كما قال الله تعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (لأنفال:13) .
فالخيرُ والصلاح، والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، في سبيل الرسل وأتباعهم، والشر والشقاء، والضلال البعيد لمن سلك سبيل الغاوين الحائدين الزائغين عن سبيل المرسلين ، قال الله تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (الأنعام:153) .
وأكثر الخلق هم في حزب الشيطان كما قال تعالى: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) ) (غافر: من الآية59) , وقال: (( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ) (سبأ: من الآية13) وقال: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) ) (يوسف: من الآية38) , وقال: (( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) ) (الأنعام: من الآية116) هذا هو حكمُ الله في هذا الخلاف، وهذا الاختلاف قال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) ) (النساء:76) .
والله تعالى يقيم الدلائل على الحق ، يقيم المعالم التي يهتدي بها المهتدون ينصر أولياءه ، ينجيهم مع قلتهم وضعفهم ، ويخذل أعداءه ويخزيهم، وينزل بهم النكبات على كثرتهم، وفي هذا تبصير للمستبصرين كما قال سبحانه: (( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (لأنفال: من الآية42) .
جاءت هذه الآية في قصة بدر ، فبنصره تعالى لنبيه والمؤمنين وهم قلة على أعدائهم، وهم كثرة وذو عُدة وهالة، فيه آية يهتدي بها الموفقون، ويعمي عنها المعرضون الهالكون .
ثُمَّ إنَّ أعداءَ الرسل بينهم اختلافات ولكن هذه الاختلافات لا يخرجون بها عن دائرة الضلال والشفاء، قال تعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) ) (البقرة:176) .
وقال تعالى: (( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) ) (الذريات:8، 9) .
كل هؤلاء المختلفين على باطل، فالاختلاف الأول بين الحق والباطل ، وأهلُ الحق والباطل ، فهذا الاختلاف يُحْمَد فيه أحد الفريقين ويَُذَم الفريق الآخر .
وأما الاختلاف بين ملل الكفر وطرق الضلال فهذا لا يخرجها عن الذم ، فكلها باطلة، وكلها مذمومة، وكلها سبلَ ضلالٍ، وإن كان بعضها أبعدُ عن الحق من بعض، فتكتسبُ مزيدًا من الذم، ومزيدً من سوءِ المصير .
فتنة المنافقين وأثرها على الدعوة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وبعد.
فلقد كانت فتنة المنافقين من أشدِّ الفتن التي تعرض لها المسلمون في تاريخهم الطويل، ذلك لأنهم يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والزندقة، فينخدع الناس بظواهرهم ولا يأخذون حذرهم منهم، مما يهيئ للمنافقين الجو المناسب في المكر بالمسلمين، والكيد لهم وهم لا يشعرون، وهذا بعكس الكافر الواضح، حيث يؤخذ الحذر منه ويجاهد، ولا يُمكَّن له بين المسلمين.
لهذا كان خطر المنافقين في الصف المسلم أخطر بكثير من الكفار المجاهرين للمسلمين بالعداء، ولقد ظهر كيد المنافقين في عهدٍ مبكر مع الرسول e في المدينة، حيث عانى منهم الرسول e والمسلمون الأمرين، وذلك مما يثيرونه من البلابل والكيد والتخاذل... الخ.
وما موقف رأس المنافقين وتخذيله يوم أحد، وكذلك إتيانه بالإفك على أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- بخافٍ على أحد، ومن أجل ذلك كان عذاب المنافقين أشد من الكفار .