الصفحة 226 من 3812

والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل ، أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر ، يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه ، وما زينه له اندفاعه؛ وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل - دون نظر إلى نسبه أو مركزه ، أو طبقته ، أو جنسه - وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة . إذا قطع يدًا أو رجلًا قطعت يده أو رجله؛ وإذا أتلف عينًا أو أذنًا أو أنفًا أو سنًا ، أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه .

.وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن - طالت مدة السجن أو قصرت - فالألم في البدن ، والنقص في الكيان ، والتشويه في الخلقة شيء آخر غير الآم السجن . . على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة . .

والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة؛ والذي يذهب بحزازات النفوس ، وجراحات القلوب ، والذي يسكن فورات الثأر الجامحة ، التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية . . وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات . ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص . .

وشرعُ الله في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع الله في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح . . راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص:

{ فمن تصدق به فهو كفارة له }

من تصدق بالقصاص متطوعًا . . سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل ( والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص ، أو بالتنازل عن الدم والدية معًا وهذا من حق الولي ، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تغزير القاتل بما يراه ) أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروج كلها ، فتنازل عن القصاص . . من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه؛ يحط بها الله عنه .

وكثيرًا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو ، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته . نفوسًا لا يغنيها العوض المالي؛ ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت . . فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد؟ . . إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل ، وتأمين الجماعة . . ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله . .

روى الإمام أحمد . قال: حدثنا وكيع ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، قال: « كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار . فاستعدى عليه معاوية . فقال معاوية: سنرضيه . . فألح الأنصاري . . فقال معاويه: شأنك بصاحبك! - وأبو الدرداء جالس - » فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة ، أو حط به عنه خطيئة « . فقال الأنصارى: فإني قد عفوت » . .

وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض . .

وتلك شريعة الله العليم بخلقة؛ وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر ، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها؛ ويسكب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام .

وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة ، التي صارت طرفًا من شريعة القرآن ، يعقب بالحكم العام: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ..

والتعبير عام ، ليس هناك ما يخصصه؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو { الظالمون } .

وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر . وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله . فهو كافر باعتباره رافضًا لألوهية الله - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده ، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس . وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم ، الصالحة المصلحة لأحوالهم . فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة ، وتعريضها لعقاب الكفر . وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد .

وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: { ومن لم يحكم بما أنزل الله } . . فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو « من » المطلق العام .

ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة .

{ وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ، مصدقًا لما بين يديه من التوراة . وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقًا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت