الصفحة 2267 من 3812

والآيات من كتاب الله عز وجل في ذكر مثل هذه السنن الربانية كثيرة جدًا وبخاصة عند التقديم والتعقيب على قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم ،وإنه لمن الواجب على دعاة الحق و المجاهدين في سبيل الله تعالى أن يقفوا طويلًا مع كتاب الله عز وجل وما تضمن من الهدى والنور ومن ذلك ما تضمنه من السنن الربانية المستوحاة من دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لأن في معرفتها والسير على هداها أخذ بأسباب النصر والتمكين والفلاح ، ونجاة مما وقع فيه الغير من تخبط وشقاء وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة وإعراض عن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله عز وجل ، الذين هم أعرف الناس بالله سبحانه، وبأسمائه وصفاته ، وبالتالي فهم أعرف بسننه سبحانه وعاداته وأيامه وهم ألزم الناس لها وللسير على ضوئها ،وما ضل من ضل إلا بسبب الإعراض عن كتاب الله عز وجل وما فيه من الهدي والنور ، يقول الدكتور محمد السلمي حفظه الله:

( التاريخ بما يحتوي من الحوادث المتشابهة والمواقف المتماثلة يساعد على كشف هذه السنن التي هي غاية في الدقة والعدل والثبات ، وفي إدراكنا للسنن الربانية فوائد عظيمة حتى لو لم نقدر على تفادي حدوثها والنجاة منها ، حيث يعطينا هذا الإدراك والمعرفة صلابة في الموقف ، بخلاف من يجهل مصدر الأحداث ؛ فإن الذي يعلم تكون لديه بصيرة وطمأنينة ، أما الذي يجهل فليس لديه إلا الحيرة والخوف والقلق ) أهـ .

( منهج كتابة التاريخ الإسلامي ص 60)

وليس المقصود هنا التفصيل في موضوع السنن الربانية فهذا له مقام آخر، وإنما المقصود هو الاستضاءة بهذه السنن في الوصول إلى الموقف الحق الذي نحسب أنه يرضي الله عز وجل وذلك في الأحداث الساخنة التي تدور رحاها في العراق وفلسطين وأفغانستان ، والشيشان وما صاحبها من فتن ومواقف ، وسأقتصر على ذكر ثلاث من هذه السنن التي رأيت أن لها مساسًا بهذه الأحداث المعاصرة:

السنة الأولى: سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل .

السنة الثانية: سنة الابتلاء والتمحيص .

السنة الثالثة: سنة الإملاء والاستدراج .

السنة الأولى: سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل

يقول الله عز وجل: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (البقرة: من الآية251) .

ويقول تبارك وتعالى: (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحج: من الآية40) .

وعن عياض بن حمار المُجاشِعي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: ( ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ؛ كل مال نحلته عبدًا حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، , وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا . وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ، وقال:إنما بعثتك لأبتليك وابتلى بك ، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ، وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت:رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزةً قال: استخرجهم كما استخرجوك ، واغزهم نغرك ، وأنفق فسننفق عليك ، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ) الحديث . (1)

ففي هاتين الآيتين والحديث القدسي أبلغ دليل على أنه منذ أن اجتالت الشياطين بني آدم عن دينهم وظهر الشرك والكفر وظهر تحريم الحلال وتحليل الحرام والصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى ؛ هذه سنة إلهية لا تتخلف ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك وهذه المدافعة وهذا الصراع بين الحق والباطل إن هو إلا مقتضى رحمة الله وفضله ، وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين ؛ ولذلك ختم الله عز وجل آية المدافعة في سورة البقرة ، بقوله سبحانه: (( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) )حيث لم يجعل الباطل وأهله ينفردون بالناس بل قيض الله له الحق وأهله يدمغونه حتى يزهق فالله تعالى يقول: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ) (الأنبياء:18) .

إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السنة - أعني سنة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد - إنهم يتنكبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل الذي ارتضاه واختاره لهم ، وإن الذين يؤثرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله ، إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة ، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم ، وأنفسهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل ، وإيثار الحياة الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت