الصفحة 2269 من 3812

هذا فيما يتعلق بقتال الدفع عن المسلمين الذين احتل الكفار ديارهم وغزوهم في عقر دارهم ، أما البلدان التي غزاها الكفار في عقر دارها عقديًا واجتماعيًا وإعلاميًا واقتصادًا وثقافيًا، وتعاون معهم إخوانهم المنافقون في تنفيذ مخططاتهم فهذا النوع من الغزو لم يسلم منه بلد من بلدان المسلمين وقد تسارع الغزاة في تنفيذ مخططهم الإفسادي في السنوات الأخيرة بشكل لافت وخطير ، فما هو الواجب على المسلمين في هذه البلدان لمدافعة هذا الغزو الخطير؟

فقد تقرر فيما سبق من الكلام إن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم ، ويصبح واجبًا على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن ، فإن كان الغزو عسكريًا وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح ، وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب والمجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة و المسموعة والمشاهدة منها أقول: إذا كان الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل والمعاول الخطيرة والتي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجبًا عينيًا على كل قادر من المسلمين كل بحسبه ، وإن التقاعس أو التشاغل أو التخذيل لهذا الضرب من الجهاد يخشى أن يكون من جنس التولي يوم الزحف ، وتقديمًا للدنيا الفانية على محبة الله عز وجل ورسوله والجهاد في سبيله تعالى ، ولا يبعد أن يكون من المعنيين بقوله تعالى: (( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ) (التوبة:24) .

هذا ، وإن كانت هذه الآيات في جهاد الكفار في ساحات القتال ولكن ما الذي يمنع من أن تشمل أيضًا القاعدين عن جهاد الكفار والمنافقين بالبيان والمدافعة لأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم السافلة ، والوقوف أمام وسائلهم ومخططاتهم المختلفة وتحصين الأمة وتحذيرها منها ؟

فلقد قال الله عز وجل آمرًا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في سورة مكية بمجاهدة الكفار بالقرآن قبل فرض الجهاد عليهم بالقتال ؛ وذلك في سورة الفرقان حيث يقول الله عز وجل: (( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) ) (الفرقان:52) .

وقد مر بنا كلا م شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ( والجهاد منه ما هو باليد ، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكن) ولا يعذر أحد من المسلمين في النفرة لهذا الجهاد كل بحسب علمه وقدرته ؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:( ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته ، سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها: فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل ، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره .

وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به ، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير .

وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما .

ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين ، هم أقل الناس دينًا والله المستعان ، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك ، وحدوده تضاع ، ودينه يترك ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب عنها ، وهو بارد القلب ساكت اللسان ، شيطان أخرس ، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم ، فلا مبالاة بما جرى على الدين ؟ وخيارهم المُتحزِّن المتلمظ ،

ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتذبل وجدّ واجتهد ، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه ، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون ، وهو موت القلوب ؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل ) (6)

(1) رواه مسلم ( 2865) .

(2) في ظلال القرآن 3/ 1319 بتصرف يسير

(3) الاختيارات الفقهية: ص 447

(4) الاختيارات الفقهية ص 309 ، 310

(5) الاختيارات الفقهية ص 448

(6) إعلام الموقعين 2/176

السنة الثانية: سنة الابتلاء والتمحيص

قال الله عز وجل: (( الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون. ولقد فتنا الذين من قبلهم ليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين َ) ) (العنكبوت:1،2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت