الصفحة 2273 من 3812

ولا يخفى على من يراقب اليوم كثيرًا من الفتاوى والحوارات التي تقوم بها بعض الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ما تحمل من هذه المواقف المتميعة والتي يحاول أصحابها أن يتشبثوا في الاقتناع بها بأدنى شبهة أو أدنى قول شاذ يخالفه الدليل الصحيح من الكتاب والسنة ، وهذه المواقف والفتاوى لم تقتصر على الأحكام فحسب بل تعدتها إلى أصول العقيدة وأركانها ، وبخاصة ما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر وحدودها، أو بمسائل الولاء والبراء، أو ما يتعلق بالجهاد وأحكامه ؛ والمقصود أن سنة الابتلاء والتمحيص التي نعيشها هذه الأيام قد أفرزت مثل هذه المواقف ولله عز وجل الحكمة في ذلك ؛ لأن في ظهورها خيرًا لأهلها لعلهم يحاسبون أنفسهم فيتخلصون منها كما أن فيها خيرًا أيضًا لغيرهم حتى يحذروها ويحذروا منها .

الموقف الرابع: موقف المتعجلين المغيرين بالقوة

وهذا الموقف يقابل الموقف السابق ، فبينما ينحي الموقف السابق إلى التنازل عن بعض الثوابت والتعلق ببعض الشبهات والشذوذات ، يذهب أصحاب هذا الموقف إلى الطرف المقابل حيث لم يصبروا على ما يرون من شدائد ومحن وابتلاءات توجه للمسلمين في دينهم وأعراضهم وعقولهم ورأوا أن الموقف إزاء مثل هذه الابتلاءات هو المواجهة المسلحة دون أن ينظروا إلى ما يترتب عليها من مفاسد كبيرة ، ودون أن ينظروا إلى واقعية المصالح التي يسعى لتحقيقها فنشأ من جراء ذلك أضرار عظيمة عليهم وعلى الدعوة وأهلها في المحيط الذي تدور فيه هذه المواجهات ، وهنا أود التنبيه إلى أنه ليس المعنى في هذه المواقف تلك الحركات الجهادية التي تدافع عن المسلمين وديارهم في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين وكشمير وغيرها ممن يقوم بجهاد الدفع عن ديار المسلمين المحتلة ، وإنما المعني هنا أولئك الذين يرون المواجهة المسلحة في بعض بلدان المسلمين قبل وضوح راية الكفر في تلك البلدان للناس ، ودون وضوح راية أهل الإيمان في مقابل ذلك ، مما ينشأ عنه اللبس والتلبيس على الناس ، فتختلط الأوراق ويجد هؤلاء المجاهدون المستعجلون أنفسهم وجهًا لوجهٍ مع إخوانهم المسلمين ، فحينئذ تقع الفتنة بين المسلمين ، ويقتل بعضهم بعضًا ، كما هو حاصل في الجزائر وما قد حصل في مصر وسوريا أما تلك الحركات الجهادية التي أعلنت جهادها على الكفار في العراق وأفغانستان لمواجهة التحالف الصليبي أو في كشمير لمواجهة الهندوس والوثنيين ، أو في الشيشان لمواجهة الملاحدة الشيوعيين ، أو في فلسطين لمواجهة اليهود الغاشمين فإنها حركات مشروعة لوضوح الراية الكفرية ، وزوال اللبس عن المسلمين في تلك الأماكن ، كما أنه جهاد للدفاع عن الدين والعرض والمكان حتى لا ترتفع فيه راية الكفار . والذي حملني على هذا التنبيه ما نسمعه - ويا للأسف - من بعض الفتاوى المتسرعة والتي مفادها أن القتال ضد الغزاة الكفرة في العراق هو قتال فتنة وتعجل وافتئات على الأمة وهذا من صور الابتلاء الذي يتعرض له المسلمون في هذه الأزمنة .

(1) تفسير ابن كثير عند الآية ( 179) من سورة أل عمران .

(2) في ظلال القرآن (1/525 ) .

(3) للرد على هذه الشبهات: انظر كتاب ( فاستقم كما أمرت ) للمؤلف

(4) تحفة الأحوذي ( 2361 ) 6/539 وقال الترمذي: حديث غريب وقال الأرناؤوط في جامع الأصول له شواهد يرتقي بها .

السنة الثالثة: سنة الإملاء والاستدراج للكفار والمنافقين

قال تعالى: (( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ) (آل عمران:178) .

وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) ) (لأعراف:182، 183) .

وهذه السنة الإلهية تعمل عملها في هذه الأوقات ؛ وذلك في معسكر أهل الكفر والنفاق ؛ وبخاصة أولئك الذين بلغ بهم الكبر والغطرسة والظلم والجبروت مبلغًا عظيمًا ونراهم يزدادون يومًا بعد يوم في الظلم والبطش والكبرياء ومع ذلك نراهم ممكنين ولهم الغلبة الظاهرة كما هو الحاصل الآن من دولة الكفر والطغيان أمريكا ؛ حيث ظلمت وطغت وقالت بلسان حالها ومقالها: ( من أشد منا قوة ) وقد يحيك في قلوب بعض المسلمين شيء وهم يرون هؤلاء الكفرة يبغون ويظلمون ومع ذلك هم متروكون لم يأخذهم الله بعذاب من عنده ، لكن المسلم الذي يفقه سنة الله عز وجل ويتأملها ويرى آثارها وعملها في الأمم السابقة لا يحيك في نفسه شيء من هذا لأنه يرى في ضوء هذه السنة أن الكفرة اليوم وعلى رأسهم أمريكا وحلفائها هم الآن يعيشون سنة الإملاء والاستدراج والتي تقودهم إلى مزيد من الظلم والطغيان والغرور ، وهذا بدوره يقودهم إلى نهايتهم الحتمية وهي الهلاك والقصم في الأجل الذي قد ضربه الله لهم قال تعالى: (( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) ) (الكهف:59) .

والله عز وجل لا يستجيب لعجلة المستعجلين بل له الحكمة البالغة والسنة الماضية التي إذا آتت أكلها أتى الكفرة ما وعدهم الله تعالى لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت