الصفحة 234 من 3812

أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال: الرجس ، يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله: { وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } أي يلحق العذاب بهم كما قال: { وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } [ الفتح: 6 ] والثاني: أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال: { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم .

والجواب: أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلًا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقًا صدقًا صوابًا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة . (1)

ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى ، فجعله لا يعرف إلا طريقًا واحدًا هو طريق الإيمان كالملائكة مثلًا . أو لجعل له استعدادًا واحدًا يقود جميع أفراده إلى الإيمان .

ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعًا وقهرهم عليه ، حتى لا تكون لهم إرادة في اختياره . ولكن حكمة الخالق التي قد ندرك بعض مراميها وقد لا ندرك ، دون أن ينفي عدم إدراكنا لها وجودها . هذه الحكمة اقتضت خلقة هذا الكائن البشري باستعداد للخير وللشر وللهدى والضلال . ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك . وقدرت أنه إذا أحسن استخدام مواهبه اللدنية من حواس ومشاعر ومدارك ، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس وما يجيء به الرسل من آيات وبينات ، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص . وعلى العكس حين يعطل مواهبه ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الإيمان يقسو قلبه ، ويستغلق عقله ، وينتهي بذلك إلى التكذيب أو الجحود ، فإلى ما قدره الله للمكذبين الجاحدين من جزاء . .

فالإيمان إذن متروك للاختيار . لا يكره الرسول عليه أحدًا . لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير:

{ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ } . .

وهو سؤال للأنكار ، فإن هذا الإكراه لا يكون:

{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } :

وفق سنته الماضية التي بيناها . فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه . لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه ، فهذا ليس المقصود بالنص . بل المقصود أنها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذان الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة . وعندئذ يهديها الله ويقع لها الإيمان بإذنه . فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به . إنما الناس يسيرون في الطريق . فيقدر الله لهم عاقبة الطريق ، ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في الله ليهتدوا . .

ويدل على هذا عقب الآية: { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } . .

فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر ، يجعل الرجس عليهم . والرجس أبشع الدنس الروحي ، فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر ، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران . (2)

لو شاء الله لآمن الناس كلهم

قال تعالى: { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67) وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) ( الحج) }

(1) - تفسير الرازي - (ج 8 / ص 352)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 183)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت