فهرس الكتاب
والمنازعة: المجادلة والمخاصمة . والمراد بالأمر: ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام .
أى: قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها ، وما دام الأمر كذلك ، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التى أوحيناها إليك ، وأمرناك باتباعها ، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك في ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم ، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك ، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم ، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم ، ومهيمن عليها وناسخ لها . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال: { وادع إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } .
أى: وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق ، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم ، وإلى الدخول في دين الإسلام: فإنك أنت على الصراط المستقيم ، الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس .
ثم بين له - سبحانه - ما يفعله إذا ما لُّجوا في منازعتهم له فقال: { وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
أى: وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق ، ولزمتهم الحجة ، فقل لهم - أيها الرسول الكريم - امرى وامركم إلى الله - تعالى - ، فهو الذى يتولى الحكم بينى وبينكم يوم القيامة ، لأنه - سبحانه - هو العليم بحالى وحالكم .
وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على استمرارهم في جدالهم بعد أن تبين لهم الحق ، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهم .
ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والإعراض فقال: { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } أيها المسلمون وبين هؤلاء الكافرين { يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ } فى الدنيا { تَخْتَلِفُونَ } من أمر هذا الدين ، وحينئذ يتبين من هو على الحق ومن هو على الباطل ، وسيجازى - سبحانه - كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب . (1)
إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال: { لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إنما حذف الواو في قوله: { لِكُلّ أُمَّةٍ } لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف .
المسألة الثانية: في المنسك أقوال: أحدها: قال ابن عباس عيدًا يذبحون فيه وثانيها: قربانًا ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها: مألفًا يألفونه إما مكانًا معينًا أو زمانًا معينًا لأداء الطاعات ورابعها: المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } [ المائدة: 48 ] ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها؟ الجواب: عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام: « خذوا عني مناسككم » وعن الثاني: أن قوله: { هُمْ نَاسِكُوهُ } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان .
المسألة الثالثة: زعم قوم أن المراد من قوله: { هُمْ نَاسِكُوهُ } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكًا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله: { هُمْ نَاسِكُوهُ } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال .
أما قوله تعالى: { فَلاَ ينازعنك فِى الأمر } فقرىء { فَلاَ ينزعنك } أي أثبت في دينك ثباتًا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه . وأما قوله: { فَلاَ ينازعنك } ففيه قولان: أحدهما: وهو قول الزجاج: أنه نهى لهم عن منازعتهم ، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني: أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل ما عداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: { وادع إلى رَبّكَ } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى . كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال: { وَإِن جادلوك } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك { فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر . فقال: { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل ، والله أعلم . (2)
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2990)
(2) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 150)