الصفحة 2504 من 3812

عندما يبرز علم أو داعية أو زعيم، ويشتهر أمره، تحوطه عادة جموع كثيرة من الناس: منهم المخلصون وهمهم طلب العلم أو المشورة أو المساعدة في أمر الدعوة، ومنهم المتملقون بالتقرب منه والذين يتظاهرون بالسؤال وحب الدعوة، ومنهم الفضوليون الذين يحبون الشهرة بالسير في ركاب هذا أو ذاك، وأخلاط من الناس تستمع ولكن الفائدة المرجوة قليلة، وفي غمرة حرص الداعية أو القائد على نشر هذا الخير وتكثير سواد المسلمين قد يبتعد عن المقربين المخلصين من غير تعمد منه لذلك، وهذا مما يكسر خواطرهم، ويضعف الفائدة المرجوة من التجمع والتناصر، وفي العادة فإن المخلصين يبتعدون عن التزلف ويتحاشون القرب الدائم، فإذا غلبهم العامة أو المتملقون فقد وقعت المصيبة، وقد كان الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف مدركًا لهذه الناحية عارفًا بأمور الناس والزعامة، عندما نصح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بألا يتكلم في (منى) أثناء الحج عن أمور تخص الخلافة والاستخلاف، وكان عمر - رضي الله عنه - قد سمع قولة قائل: (لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا) ، يظن أن البيعة بهذه السهولة، يبايع من شاء دون مشورة لأهل الحل والعقد، وكأنه ظن أن خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - كانت هكذا، فغضب عمر ثم قال: (إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين؛ لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا) ، واستجاب عمر - رضي الله عنه - لنصيحة عبد الرحمن بن عوف وقام هذا المقام في المدينة.

ونقول للدعاة الذين يشار إليهم بالبنان: لا يجوز أن يغلب المتملقون والمتطفلون على أوقاتكم، ويجب أن يقرب المخلصون من تلامذتكم، وهذا من آداب القيادة وسنن الاجتماع كما قال - تعالى - على لسان نوح - عليه السلام: (ومَا أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا) ، يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير هذه الآية: هذا مبني على سنن الاجتماع في الزعامة والعصبية وتأليف الجماعات، وكون ثباتها وظفرها رهنًا بإيمان الجماعة التي تألفت لأجله، وولاية بعضهم لبعض بصفة يكون فيها الزعيم خير قدوة للأفراد بتفضيله أدنى المؤمنين فيهم على أعظم الكبراء من خصومهم [1] ؛ فهل يعي هذه النصيحة الذين يتصدون للناس ولا ينسون الدعاة الصادقين الذين لا يتزلفون للزعيم.

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) المنار (12 / 241) .

الشريط الداعية

كانت تسير في طريقها إلى المنزل فاصطكت قدمها بشريط ملقى على الأرض، فنظرت إليه، وهي تحدث نفسها: أتأخذه؟ … قد يكون لمن تحب من المغنين، وقد يكون لغيره، فلا مانع أن تأخذه لتسمع … امتدت يدها والتقطت الشريط، وذهبت به إلى منزلها.

وفي المنزل دفعها فضولها لسماع مادته، وإذا به صوت متحدث، قرع سمعها، فاستمعت إليه، ماذا عساه أن يقول، واستمرت تستمع إلى ما يقوله ذلك المتحدث، وشاء الله - تعالى -أن يكون الحديث قيمًا شيقًا، نَبَّه الفتاةَ من غفلتها، وحذرها من الاستمرار في لهوها، وتبيَّن لها من خلاله أنَّها ما خُلِقت لهذا اللهو، وإضاعة الوقت، والانصراف عن العمل لما بعد الموت، وأنَّها لا بدَّ أن تَجِدَّ في إصلاح شأنها، ومن الآن فلتغير نمط حياتها،

الذي إن استمرت عليه فستكون حياةً هامشية، حياة لا قيمة لها، لا تعمر فيها دنيا، ولا تعمل فيها لآخرة،

وحياة كهذه هي والموت سواء.

ومن ذلك الوقت شمرت عن ساعد الجِدِّ، وانصرفت عن اللهو إلى الجِدِّ، ومن التفريط في الصلاة إلى الحرص على إقامتها، ومن تضييع الحقوق إلى أدائها.

ومن العبر في هذه القصة: أنَّ حياة اللهو حياة لا قيمة لها، وصاحبها لا ينظر إليه العقلاء نظرة إكبار وتقدير،

بل نظرة ازدراء وتحقير، لأنَّه هو الذي وضع نفسه في هذا الموضع، وقد قيل"قيمة كلِّ إنسان ما يصنع".

ومنها: أن لا يحقر الإنسان معروفًا يصنعه،

كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ) )

فهذا شريط ملقى على الأرض، ممَّا تعاف النفوسُ أخذه، فضلًا عن العناية به، والاستماع إلى قوله!

ومع ذلك أدى دورًا، وقام بمَهَمةٍ قد يعجز عنها جملة من الدعاة؛ وهذا يجعلنا لا نغفل دور الشريط النافع في الدعوة إلى الله - تعالى -.

فهو داعية لا يكلف كثيرًا، صغير الحجم، خفيف المحمل، زهيد السعر، لا يكلف المستمع إليه مالًا،

ولا جهدًا، ولا تفرغًا، ولا لزوم مكان واحد، بل يستمع إليه في كلِّ مكان، في بيته، وسيارته، ومتجره.

فهل تنبهنا إلى قيمة الشريط في الدعوة إلى الله - تعالى -.

نرجو ذلك!

كيف ننصر الرسول صلى الله عليه وسلم

سلمان بن يحي المالكي

• كيف يستطيع المسلم أن يواجه هذه الشائعات والتجاوزات على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، وما هي الخطوات العملية التي ينبغي أن تقوم بها الدول الإسلامية وشعوبها.. ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت