الصفحة 2541 من 3812

أدعو: أو (على بصيرة) لأنه حال منه أو مبتدأ خبره على بصيرة

ومن اتبعني: عطف عليه.

وما أنا من المشركين: وأنزهه تنزيها من الشركاء.

شرح الآيات:

لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حريصا على إيمان قومه، رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم ورحمة لهم مما كان ينتظر المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة، ولكن الله العليم بقلوب البشر الخبير بطبائعهم وأحوالهم، يُنهي إليه - صلى الله عليه وسلم - أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة المشركة إلى الإيمان.

وحتى الذين يؤمنون، كثير منهم يتدسس الشرك - في صورة من صوره إلى قلوبهم. فالإيمان الخالص يحتاج على يقظة دائمة تنفي عن القلب، أولا بأول، كل خلجة شيطانية وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض، في كل حركة وكل تصرف لتكون كلها لله خالصة له دون سواه (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) )!! مشركون بالله في أحد أنواع الشرك: قيمة أو سببا أو خضوعا لقوة غير قوة الله أو رجاء يتعلق بغير الله، او في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضرر، ولكن لغير الله، قال - عليه الصلاة والسلام:

"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل."رواه أبو يعلى الموصلي بإسناده. وقال:"من حلف بغير الله فقد أشرك."رواه الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر. وقال أيضا:"إن الرقى والتمائم شرك."أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود. وقال أيضا:"إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عملٍ عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك."أخرجه أحمد عن أبي سعيد عن أبي فضالة. وجاء في الحديث"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:"الرياء، يقول الله - تعالى -يوم القيامة: إذا جاء الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء؟"

فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان.

وإذا كانت هذه آيات القرآن الذي يحمل دليل الرسالة وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار، يمرون عليها وهم عنها معرضون، ويشركون بالله شركا ظاهرا أو خفيا، وهم الأكثرون، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ماض في طريقه هو ومن اهتدى بهديه لا ينحرفون ولا يتأثرون بالمنحرفين:

(( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) )

أي هذه سبيلي التي أدعو إليها، سبيل واحدة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة:

(( أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) )فنحن على هدى من الله ونور، نعرف طريقنا جيدا ونسير فيها على بصيرة وإدراك ومعرفة، فهو اليقين البصير المستنير، ننزه الله عما لا يليق بألوهيته، وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين يشركون به:

(( وما أنا من المشركين ) ).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لماذا انتكس

عبد الله بن حميد الفلاسي

عندما يشع نور الإيمان والهداية في قلب عبد من عباد الله، يبعث في هذا القلب الحياة من جديد، فلأول مرة يحس هذا الإنسان بطعم الحياة، ففي السابق لم يجد للحياة معنى غير الأكل والشرب والنوم، أما بعد دخول نور الهداية والإيمان في القلب، فكل شيء يتغير، وكل شيء له معنى.

فيعرف ما هدفه من الحياة، ويعرف ما له وما عليه، فيبدأ في أول الخطوات لتحقيق هذا الهدف المنشود، ويبدأ بالقيام بالواجبات المكلف بها، ويتجنب المحذورات التي حُذر من التقرب منها، ولو بمقدار أنمله.

وتكون أول هذه الأيام من أحلى الأيام التي مرت على كل شاب وشابة استقاموا على طريق الإيمان والهداية، أيام فيها النشاط والحيوية في طاعة الله، من صلاة، وصيام، وصدقة، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، وإحسان للناس كافة.

إلا أن هذه الشعلة من النشاط والحماس في بعض الأحيان- ما يلبث نورها إلا ويخفت، وقد تنطفئ هذه الشعلة لسبب من الأسباب، فيا ترى ما هي هذه الأسباب؟!، ولماذا ترك بعض المستقيمين الاستقامة؟!، وهل يوجد اهتمام بمن انتكس من الشباب وترك الاستقامة؟! وما سبب تحول بعضهم من مستقيم يحب الملتزمين الاستقامة والمستقيمين إلى إنسان يكره المستقيمين ويحاربهم بكل وسيلة، وفي كل محفل؟

كل هذه الأسئلة في الحقيقة عولجت من قبل الكثير من العلماء والدعاة والتربويين، وكل منهم بذل ما بوسعه لحل هذه المشكلة، وسأحاول أن أساهم في هذا المقال مع من سبقني من العلماء والدعاة في طرح بعض المسائل التي أرجو من الله أن تكون سببًا في تثبيتنا على الالتزام [على الاستقامة] ، وعودة أخواننا إلى طريق الإيمان والهداية، وهي أسباب عايشتها ورأيتها رأي العين.

إن من أسباب ترك الالتزام تتمثل من وجهة نظري في الآتي:-

السبب الأول: عدم التدرج في تعلم أحكام الدين الإسلامي، فما أن يلتزم الشاب على دين الله، وإلا وتجده اتجه إلى طلب العلم، وهذا الأمر ممدوح، وليس بمذموم، وطلب العلم من خير الأمور في الدنيا والآخرة، ولكن المسألة ليست كما يظنها البعض بهذه السهولة، بل طلب العلم يحتاج إلى صبر، وجهد، ومثابرة، وأن يبدأ بصغار الكتب قبل كبارها؛ إلا أن الخطأ يكمن في هذا المستقيم الجديد فهو لا ينتقي الدروس التي تناسبه فتجده في أول الطريق يحاول دراسة العلل للدارقطني أو التدمرية أو غير ذلك من الكتب الكبيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت