الصفحة 2592 من 3812

ولو أنه حين هجر إخوانه أو تشاغل عنهم قدَّم لنفسه ولأمته بديلًا نافعًاَ يتزود به في عاجل أمره وآجله لكان الأمر هينًا؛ فأبواب الدعوة مشرَعة لكل محتسب جاد، والعبد الصالح مبارك أينما كان، وقد يُفتَحُ له في أبواب من البِر ما لا يُفتح له في أبواب أخرى. لكن ألا ترون معي أن سوادًا كبيرًا من أولئك الإخوة يحكي واقعُه غيرَ ذلك؟!

يؤلمني ـ والله ـ أشد الألم عندما أرى أحد الصالحين ممن كان ذات يوم من روّاد الدعوة، المتحمسين للبناء والتربية، الذين يسابقون إخوانهم على مقدمة الصفوف عطاء وبذلًا وعملًا، ثم أراه بعد ذلك وقد طارت به الدنيا بهمومها واشتغل بأمور أخرى. نعم! ربما بقي على صلاحه ـ والحمد لله ـ لكن أين هي همومه الدعوية؟! وأين همته وحيوته التي عهدناها منه؟! وأين مسؤولياته التي هجرها وأعرض عنها؟!

وربما يأتيك الجواب من بعضهم بالهجوم على إخوانه وتوبيخهم، وقد يكون بعض نقده صحيحًا، لكن هل الحل هو الإعراض والهجران؟! وإذا لم ُتجْدِ النصيحة؛ فهل الحل هو الانكفاء على الذات وترك العمل الدعوي بالكلية؟!

جميل أن يعمل الدعاة في مناخات تربوية خالية تمامًا من القصور، لكن هل هذا ممكن في الواقع؟ ولِمَ لا نسدد ونقارب قدر الإمكان، وننظر إلى الخير الغالب؟ وبالتأكيد لا أطالب هنا بترك النقد والتواصي بالحق، لكن لا أرتضي تضخيم المشكلات، ولا أرتضي لغة التقريع والتوبيخ باعتبارها اللغة الوحيدة في التعامل مع مشكلاتنا.

الداعية والتحرك الذاتي

إسماعيل رفندي

المعنى الاصطلاحي:

ما يدفعك إلى فعل الشيء دون دعم خارجي، وذلك قياس لكل الموازين وفق متطلبات خاصة، المتعلقة بكل (ذات) في معايشته وبقائه مع الواقع الملموس.

المعنى الحركي:

لا ينبغي أن يكون تحركهم ونشاطهم أي الدعاة ناتجا عن تأثرهم بالمربي وشخصيته فقط، وإنما يجب أن يكون نابعًا من ذاتيتهم وإيمانهم بضرورة العمل فهذا من شأنه أن يحفظ عليهم عطائهم وبذلهم مهما تغير الظرف وتبدل.

لذا يجب على المربي أن ينتبه لذلك، ويغرس في نفوس الذين يعملون معه دافع الذات والإيمان.

أهداف الموضوع:

1)تكوين الشخصية الفعالة المتحركة رغم وجود العوائق والظروف الصعبة ورغم عدم وجود التسهيلات.

2)وبهذه العملية أي (التحرك الذاتي) تحصل على شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى امتيازات ربانية مثل..الغربة الإيجابية والإخلاص..والجرأة وأخوة الرسول عليه الصلاة والإسلام.

3)تكوين من يفجر الطاقات ويشحن القلوب بالإيمان

4)تكوين الأخ القدوة، في ميدان المبادرة والدعوة والعمل الصالح.

5)تكوين الشخصيات الجماهيرية ورموز الدعوة العامة.

6)تكوين معالم ومشاعل الهداية.

7)تكوين القيادات الميدانية في كافة المجلات.

8)تكوين قيادات الضرورة إذا أستدعى الظروف والواقع.

9)لاشك أنهم هم الذين يقومون بأدوار صعبة.

10)ولا شك أنهم هم صناع الحياة والإبداع.

دوافع التحرك الذاتي

أولًا: الهمة العالية أو علو الهمة، و الاعتماد على منطلق (بالهمة نصل إلى القمة) ولا شك أن الهمة هي الباعث للفعل والدافع للعمل والحركة.

(( أقوال في الهمة التي نعنيها ) )

أ - الشيخ عبد القادر الكيلاني يقول:"همك ما أهمك فليكن همك ربك عز وجل وما عنده"، ويقول:"سبحان الذي ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي".

ب - ويقول ابن قيم:"ولله الهمم ما عجب شأنها واشد تفاوتها، فهمة متعلقة بالعرش وهمة حائمة حول الانتان والحش".

ج- ويقول المودودي:"إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنا له مريضًا ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق أولاده فتقلقه وتضطره إلى بذل الجهد".

د- ويقول المثل" (( همُّك ما أَهمَّك وخواطرك من جنس همِّك ) )"

(دور الهمة في أداء الرسالة)

1)تحقيق كثير من الأمور العظيمة مثل:

* الرسول عليه الصلاة والسلام وبناء خير أمه في أقل من ربع قرن.

* أبو بكر الصديق ومواجهة المرتدين وما نعي الزكاة واستطاع أن يكسر حلقه الحصار في أقل من سنتين.

* عمر بن عبد العزيز والقيام بعملية التجديد الفعلي إلى ما كان عليه الجيل الأول.

* الإمام محمد بن عبد الوهاب وإخراج الجزيرة العربية من الشرك.

* الإمام البنا.. أصبح بمنهجه الدعوي الإصلاحي التربوي مثالًا حيًا منتجًا متحركًا لا يعرف الكسل والفتور والتراخي وكان يدعوا ليل نهار إلى الصراط المستقيم ويقول بالهمة الربانية:"أحلام اليوم حقائق الغد".

2)الارتقاء في مدارج السالكين والوصول إلى مراتب عليا من التربية الروحية.

3)القدرة على التحكم في النفس وتربية الذات وذلك لأداء الرسالة كاملة وشاملة

4)صاحب الهمة العالية يستطيع أن يستثمر وقته أكثر من أي شخص كان، استثمارًا بناءً ومثمرًا.

(وسائل تربية الهمم)

1)المجاهدة المستمرة المتوازنة لتحقيق الواجبات.

2)التوكل والاعتماد المطلق على الله مع استعمال الأسباب المشروعة.

3)البرمجة المستمرة لتطوير الهمة

4)التقرب من أصحاب الهمم العالية.. صداقة وملازمة وتلمذة.

5)المحاسبة الدائمة وفق برامج التطوير.

6)تجنب الأمور المحبطة والمؤثرة سلبًا على الهمم.

ثانيا: الشعور بالمسؤولية والتلذذ بالتعب الدعوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت