الصفحة 2648 من 3812

ولقد أدى هذا انتشارُ هؤلاءِ النصارى في بلاد المسلمين، بل إنَّهم أحيانًا يُعادلُ عددهم عدد المسلمين في بعض المدن، فإذا ذهبت إلى جمهوريةٍ إسلاميةٍ تجدُ الكنائسَ تُعمرُ فيها إلى الآن، بل إننا مررنا بجمعٍ قروي، رأينا فيه كنيسةً ضخمة جدًا، هذه الكنيسةُ يُقيم فيها راهبٌ طُول العام، يدعو إلى النصرانيةِ وقد أبقاه الشيوعيون. أمَّا الكنائسُ التي تبنى من جديد، ويُجددُ بناؤها فهي كثيرةٌ جدًا، وكان لانتقالِ الروسِ إلى بلاد الجمهوريات الإسلامية أثرٌ كبيرٌ في تذويب الشخصيةِ الإسلاميةِ هناك، حتى أنك لا تفرقُ في الخلق ولا السلوك، ولا في قضيةِ ترك الصلاة، ولا في شُربِ الخمور، ولا تفسخِ النساءِ بين المسلمِ وغير المسلم، تقابلُ هذا الإنسان وتجدهُ على حالةٍ، وتسألُ عنهُ هل هو مسلم أم نصراني؟ فيقولُ لك هذا تتري أو طاجيكي إذا هو مسلم، أمَّا في حقيقةِ حالهِ ومظهرهِ وسلوكهِ فلا تستطيعُ أن تفرق بين مسلمٍ وغيره، وهذا كله من آثارِ المسخِ والإلحاد، والغزو الفكري الذي مارسه أولئك الشيوعيون والمنصرون من ورائهم، ومع هذا فإنَّهم يخافون جدًا من الإسلام، كما يخافون أنَّ المسلم يرجعُ إلى إسلامه في يوم ما. وبهذه المناسبةِ أذكرُ أن أحد زُعماءُ الغربِ قال: إننا يجبُ أن نؤيدَ رئيسَ البرلمان مع أنَّه شيوعي، لأنَّ أصوله إسلامية، فهم يخافون أن يرجعَ إلى أُصولهِ الإسلامية، وقد نشطَ المنصرون داخل الإتحاد السوفيتي وخارجه نشاطًا كبيرًا، وذلك بعد سقوطه، ومن أمثلةِ ذلك:

أ. بناءُ الكنائس الجديدةِ الضخمة: وهذا أمرٌ لهُ خطورتهُ، لا سميا وأنَّ هذه الكنائس كثيرًا ما تُبنى قربَ المساجد حتى تزاحمها.

ب. إقامةُ المؤتمرات التنصيرية هناك: وعند قدومنا هناك كان يوجدُ مؤتمرٌ عالميٌّ تنصيري، ولقد كان الإنسانُ يرى المنصرين أعدادًا كبيرة قد جاءوا من بلادِ شرق آسيا ومن أفريقيا وأوروبا وأمريكا ومن كل مكان، جاءوا لهذا المؤتمر التنصيري في بلاد روسيا مع العلم أن هذا التنصير في بلاد المسلمين وغيرها.

ج. مزاحمة أي مشروع إسلامي: وقد حدثنا أحدُ الدعاةِ من تلك البلاد، أنَّه أفتتح مكتبةً صغيرةً لبيعِ الكتاب الإسلامي بسعرٍ مخفض، فقام النصارى بفتحِ مركزٍ بجوارهِ لتوزيعِ الكتبِ التنصيرية والهدايا بالمجان.

د. المنصرون من أوروبا: توضعُ لهم تسهيلاتٍ كبيرةٍ، ويأتون باسم الشركاتِ وغيرها، والإدارات الرسمية تعينهم، ومن ثمَّ تجدُ هؤلاءِ المنصرين منتشرين في كلِّ مكانِ، وهذا أمرٌ غريبٌ جدًا. بل حدثنا أناسٌ من هُناك ممن قد لا يقيمون الصلاةَ لكن أصولهم إسلامية، قالوا لنا إنَّ خطرَ التنصير قام علينا، هؤلاء المسلمون وإن كانوا لا يصلون إلا أنَّهم يرفضون التنصيرَ ويحسون الخطر، ويقولون: لا نريدُ أن نتنصرَ، ولا نُزيدُ لأولادنا أن يتنصروا، نُريدُ أن نكون من المسلمين، وهذا من العجائب.

سابعًا: ومن المظاهرِ هناك: نشاطُ الرافضةِ والمذاهبِ الهدامة: وهذه حقيقةً مؤسفةً حقًا، فإنَّ أهلَّ البدعِ من الرافضة وغيرهم يقومون بنشاطٍ قوي هناك، ويركزون تركيزًا قويًا على المسلمين وعلى الجمهوريات الإسلامية.

ثامنًا: نشاط الطرقِ الصوفية هناك: وما فيها من شركٍ وبدعٍ حيثُ توجدُ أحيانًا بعض القبورِ التي تُزارُ ويُذبحُ لها، وتُدعى من دون الله تبارك وتعالى- وهذه الطرقُ الصوفية موجودةً في تلك البلادِ الإسلاميةِ، وخطرُها عظيم، لأنَّها قد تُستبدلُ بالحكم الشيوعي، أو غيره شركًا آخر بالله - سبحانه وتعالى -، ولم يقتصر الأمرُ على هؤلاءِ فقط، بل هناك أيضًا من الملا حدة البهائيين والقاديانيين وغيرهم ممن دخلَ إلى تلك البلاد، وحدثنا المسلمون هناك، أنَّ دعاةَ البهائية وغيرهم لهم أتباع.

فأين المسلمون؟ أين أهل السنة والجماعة؟

20/12/1425 هـ

عبر ودروس من زيارة بلاد الروس 2 - 6

الدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود

وقفة مع انهيار الاتحاد السوفيتي:

لقد كان الاتحاد السوفيتي يرعب الغرب رعبًا شديدًا، حتى أن المخططين العسكريين وغيرهم في أمريكا مثلًا، لم يكونوا يأبهوا بقوة فرنسا، ولا بقوة بريطانيا، ولا بقوة الصين، وإنما كانوا يحسبون حسابات كثيرة لقوى الاتحاد السوفيتي، لكن هذا الكيان المرعب الكبير ما كان ليدوم وهو على هذا الوضع الفكري العلمي، إذ بدأت تظهر أمارات التصدع الشديد على ذلك الكيان المبهرج الضخم، وذلك من خلال ما يلي:

أولًا: تصدع الكيان من الداخل، وكان هذا التصدع من داخل أفرد ومن داخل مؤسسات الدولة، فإنها أخذت في السنوات الأخيرة يعتريها كثيرًا من الضعف والتصدع.

ثانيًا: نظرًا للحكم الشيوعي، فقد تصدعت وضعفت الصناعات والتكنولوجيا الروسية، وتفوق الغرب عليها في هذا المجال. ومن أبرز أمثلة ذلك التسرب النووي من مفاعل تشر نوبل الذي سمعنا به منذ سنوات حيث تسرب من هذا المفاعل النووي الإشعاعات النووية، ولم يستطع الاتحاد السوفيتي أن يتحكم فيها إلا بعد زمن، ولقد انتقلت آثار ذلك إلى بلاد أوروبا، والقصة مشهورة.

ثالثًا: فشل الأجهزة الدقيقة عند الاتحاد السوفيتي، مما أثر على قدرتها العسكرية والاستخبارية أمام الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت