الصفحة 267 من 3812

ثم قال تعالى: { وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة } وعلم أنا بينا أن الكلام من أول السورة ابتدىء من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت: 5 ] فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه تعالى أطنب في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد ، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم { لا تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } [ فصلت: 26 ] وأجاب عنها أيضًا بالوجوه الكثيرة ، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب عن تلك الشبهات رغب محمدًا صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ أولًا بأن قال: { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } فلهم الثواب العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات ، فصار الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع واقعًا على أحسن وجوه الترتيب ، ثم كأن سائلًا سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن كانت طاعة عظيمة ، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به ، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعًا لهذا الإشكال فقال: { وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة } والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق ، والصبر على جهالة الكفار ، وترك الانتقام ، وترك الالتفات إليهم ، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } وما ذكروه في قولهم { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة ، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجبًا للتعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهم بالضد من ذلك ، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعًا لك من الاشتغال بهذه الحسنة .

ثم قال: { ادفع بالتي هِىَ أَحْسَنُ } يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذي هو أحسن الطرق ، فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة .

ثم قال: { فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان ، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة إلى المودة ، ولما أرشد الله تعالى إلى هذا الطريق النافع في الدين والدنيا والآخرة عظمة فقال: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } قال الزجاج: أي وما يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام .

ثم قال: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } من الفضائل النفسانية والدرجة العالية في القوة الروحانية ، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا بعد تأثر النفس ، وتأثر النفس من الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من الواردات الخارجية ، وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام ، فثبت أن هذه السيرة التي شرحناها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر وطهارة الذات ، ويحتمل أن يكون المراد: وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من ثواب الآخرة ، فعلى هذا الوجه قوله { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } مدح بفعل الصبر ، وقوله { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } وعد بأعظم الحظ من الثواب . (1)

أى . لا أحد أحسن قولا ، وأعظم منزلة ، ممن دعا غيره إلى طاعة الله - تعالى - وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به .

ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره ، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذى يجعل المدعوين يزدادون استجابة له .

{ وَقَالَ } : بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة الله { إِنَّنِي مِنَ المسلمين } .

أى: من الذين أسلموا وجوههم لله - تعالى - وأخلصوا له القول والعمل .

قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية ، أى: وهو في نفسه مهتد بما يقوله ، فنفعه لنفسه لازم ومتعد ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه ، يونهون عن المنكر ويأتونه . . وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير ، وهو في نفسه مهتد .

وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء . . . والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفى غيرهم .

ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينمى روح المحبة والمودة . . بين الداعى والمدعوين بصفة خاصة ، وبين المسلم وغيره بصفة عامة ، فقال: { وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة } .

أى: ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة ، لا في ذواتهما ولا في الآثار التى تترتب عليهما ، إذا الخصلة الحسنة جميلة في ذاتها ، وعظيمة في الآثار الطيبة التى تنتج عنها ، أما الخصلة السيئة فهى قبيحة في ذاتها وفى نتائجها .

وقوله - تعالى -: { ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ } إرشاد منه - تعالى - إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون .

أى: ما دامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة ، فعليك - أيها المسلم - أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسئ ، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، بأن تقابل ذنبه بالعفو ، وغضبه بالصبر ، وقطعه بالصلة وفظاظته بالسماحة .

(1) - تفسير الرازي - (ج 13 / ص 393)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت