الصفحة 2709 من 3812

تناولنا في العدد الماضي خمسة من أمور عشرة يجب توافرها في الأمراء والقادة لتتحقق فيهم الأهلية الشرعية.

وفي هذا العدد نكمل ذكر بقية تلك الأمور..

6 -جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة، حتى يحكم الله وهو أحكم الحاكمين.

إن في هذا البند إحياءً لفريضة الجهاد، وتربية المسلمين عليها، لتكون الشعارات التي يرددونها بأفواههم والأهداف التي يعملون لها في حياتهم، ومنها"الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

فإن ماتت هذه المعاني في جماعة أو أمة، سلط الله عليها بذنوبها وركونها إلى الأرض من لا يخاف الله ولا يرحمها، على مثل ما هو جارٍ في هذا الزمن وهذه الأيام.

وقد يحلو للبعض أن يجلبب هذه المواقف الخانعة والسياسات المتراجعة بجلباب الوسطية، ومفهوم الوسطية الحق من كل ذلك براء، حيث لم تكن الوسطية في شرع الله يومًا، قبولًا بالذل والاستخذاء والدنية في الدين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (المنافقون: 8) .

7 -جباية ألأموال على ما أوجب الشرع نصًا واجتهادًا، من غير عسف.

فمن معالم العافية في الجماعة المسلمة إقبالها على البذل والعطاء، واستعداد أفرادها لبذل أموالهم وثرواتهم في سبيل الله.. فإن تراجعت هذه المعالم، وغابت هذه الصفات، يتعين استكشاف العلة المانعة من الجهاد بالمال، والمسارعة إلى معالجتها قبل أن تستفحل ويصعب البرء منها والشفاء.

8-تقدير العطاء، وما يستحق في بيت المال، من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقت لا تقديم فيها ولا تأخير.

وهذا يؤكد ضمانة حقوق الإنسان وحمايتها، ويحول دون الهدر، ويوجب التقيد بأولويات الصرف، وشفافية التعامل المالي، الذي هو صمام أمان الجماعات والمجموعات فضلًا عن الدول والمجتمعات.

9-استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء، فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويعهد إليهم من الأموال، لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة.

ويا لروعة هذا التوجه، الذي يؤكد على وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، واختيار الإنسان الصالح للموقع الصالح. فلا محسوبية ولا ترخص من شأنه أن يفتح باب الشيطان على ضياع الحق، أو يؤدي إلى استلاب الأموال وانتهاب الثروات، وعقد الصفقات الخاصة على حساب الأموال العامة.. ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن معظم ما يتعرض له المسلمون، أفرادًا وجماعات وحكومات، فبسبب غياب العفة المالية وغياب الشفافية الاقتصادية.

10-أن يباشر"القائد والأمير"بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، ليهتم بسياسة الأمة والجماعة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا أو عبادة.. فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله - تعالى: يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى" (ص: 26) ."

فالمطلوب من القائد أن يباشر القيادة ومسؤولياتها المختلفة بنفسه، وأن يكون ساهرًا على الجماعة والرعية، وأن يتقي الله في كل ذلك، فلا يلجأ إلى التفويض إلا مضطرًا، ويختار له من يثق بدينه وخلقه ورأيه. ثم هو لا يضعف أمام الأقوياء الظالمين من بطانته فيمكنهم من ظلم الآخرين بسلطانه وسلطته، فتتعدد بذلك مراكز القوى والنفوذ، وتتكاثر قيادات الظل، فتستحكم الصراعات والخلافات، فيكون هو الأعظم وزرًا عند الله منهم جميعًا، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول:"إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظه أم ضيعه".

فأسأل الله - تعالى -الهدى والسداد، وللزعماء والأمراء والقادة التقى والرشاد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

إحدى عشر وسيلة لصيد القلوب

هذه سهام لصيد القلوب، أعني تلك الفضائل التي تستعطف بها القلوب، وتستر بها العيوب وتستقال بها العثرات، وهي صفات لها أثر سريع وفعّال على القلوب، فإليك أيها المحب سهامًا سريعة ما أن تطلقها حتى تملك بها القلوب فاحرص عليها، وجاهد نفسك على حسن التسديد للوصول للهدف واستعن بالله.

الوسيلة الأول: الابتسامة:

قالوا هي كالملح في الطعام، وهي أسرع سهم تملك به القلوب وهي مع ذلك عبادة وصدقة، (فتبسمك في وجه أخيك صدقة) كما في الترمذي، وقال عبد الله ابن الحارث (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .

الوسيلة الثانية: البدء بالسلام:

سهم يصيب سويداء القلب ليقع فريسة بين يديك لكن أحسن التسديد ببسط الوجه والبشاشة، وحرارة اللقاء وشد الكف على الكف، وهو أجر وغنيمة فخيرهم الذي يبدأ بالسلام، قال عمر الندي (خرجت مع ابن عمر فما لقي صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه) ، وقال الحسن البصري (المصافحة تزيد في المودة) والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) . وفي الموطأ أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) قال ابن عبد البر هذا يتصل من وجوه حسان كلها.

الوسيلة الثالثة: الهدية:

ولها تأثير عجيب فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب، وما يفعله الناس من تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود بل ومندوب إليه على أن لا يكلف نفسه إلا وسعها، قال إبراهيم الزهري (خرّجت لأبي جائزته فأمرني أن أكتب خاصته وأهل بيته ففعلت، فقال لي تذكّر هل بقي أحد أغفلناه؟ قلت لا قال بلى رجل لقيني فسلم علي سلامًا جميلًا صفته كذا وكذا، اكتب له عشرة دنانير) انتهى كلامه.

انظروا أثّر فيه السلام الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك.

الوسيلة الرابعة: الصمت وقلة الكلام إلا فيما ينفع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت