الصفحة 272 من 3812

قال الآلوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -: { أَلَمْ تَرَ . . . } هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب ، وقد يذكر لمن ليس كذلك ، فيكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في ذلك ، بأن شبه من لم ير الشئ بحال من رآه في أنه لا ينبغى أن يخفى عليه ، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى ، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب .

والمثل: يطلق على القول السائر المعروف للماثلة مضربه لمورده .

وقوله { مثلا } انتصب على أنه مفعول به لضرب ، وقوله { كلمة } بدل منه أو عطف بيان .

والمراد بالكلمة الطيبة: كلمة الإِسلام ، وما يترتب عليها من عمل صالح ، وقول طيب .

قال الآلوسى ما ملخصه:"والمراد بالشجرة الطيبة - المشبه بها - النخلة عند الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد . ."

وأخرج عبد الرازاق والترمذى وغيرهما عن شيعب بن الحجاب قال: كنا عند أنس ، فأتينا بطيق عليه رطب ، فقال أنس لأبى العالية: كل يا أبا العالية ، فإن هذا من الشجرة التى ذكرها الله - تعالى - في كتابه { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ . . . }

وأخرج الترمذى - أيضا - والنسائى وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس قال:"أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقناع من بسر - أى بطبق من تمر لم ينضج بعد فقال:"مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة . . قال: هى النخلة"".

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند .

وأخرج ابن حرير وابن أبى حاتم أنها شجرة في الجنة ، وقيل كل شجرة مثمرة كالنخلة ، وكشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك ثم قال:

"وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغى العدول عنه".

وكأن الإِمام الآلوسى بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبة النخلة ، لتصريح الآثار بذلك .

وقد رجح ابن جرير - أيضا - أن المراد بها النخلة فقال ما ملخصه:"واختلفوا في المراد بالشجرة الطيبة ، فقال بعضهم: هى النخلة . . وقال آخرون: هى شجرة في الجنة . ."

وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال هى النخلة ، لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك . . .""

والمعنى: ألم تر - أيها المخاطب - كيف اختار الله - تعالى - مثلا ، وضعه في موضعه اللائق به ، والمناسب له ، وهذا المثل لكلمتى الإِيمان والكفر ، حيث شبه - سبحانه الكلمة الطيبة وهى كلمة الإِسلام ، بالشجرة الطيبة ، أى النافعة في جميع أحوالها ، وهى النخلة .

ثم وصف - سبحانه - هذه الشجرة بصفات حسنة فقال: { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } .

أى: ضارب بعروقه في باطن الأرض فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان .

{ وَفَرْعُهَا } أى: أعلاها وما امتد منها من أغصان ، مشتق من الاقتراع بمعنى الاعتلاء { فِي السمآء } أى: في جهة السماء من حيث العلو والارتفاع ، وهذا ما يزيد الشجرة جمالا وحسن منظر .

والمراد بالأكل في قوله - تعالى - { تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا . . } المأكول ، وهو الثمر الناتج عنها .

والمراد بالحين: الوقت الذى حدده الله - تعالى - للانتفاع بثمارها من غير تعيين بزمن معين من صباح أو مساء .

قال الشوكانى ما ملخصه:"قوله { تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } كل وقت { بِإِذْنِ رَبِّهَا } بإرادته ومشيئته".

وقيل: المراد بكونها تؤتى أكلها كل حين: أى كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف . وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين .

وقيل: كل غدوة وعشية ، وقيل: كل شهر . . .

وهذه الأقوال متقاربة . لأن الحين عند جمهور أهل اللغة بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره .

وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد وصف هذه الشجرة بأربع صفات ، أولها: أنها طيبة ، وثانيها: أن أصلها ثابت ، وثالثها: أن فرعها في السماء ، ورابعها: أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها .

وهذه الأوصاف تدل على فخامة شأنها ، وجمال منظرها ، وطيب ثمرها ، ودوان نفعها كما تدل على أن المشبه وهو الكلمة الطيبة ، مطابق في هذه الأوصاف للمشبه به وهو الشجرة الطيبة .

وقوله - سبحانه - { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } بيان للحكمة التى من أجلها سيقت الأمثال ، وهى التذكر والتفكير والاعتبار . أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويتذكروا ما أمرهم - سبحانه - بتذكره إذ ضرب الأمثال تقريب للبعيد ، وتقرير للقريب ، وتصوير للمعانى المعقولة بالصور المحسوسة .

وبعد أن بين - سبحانه - مثال كلمة الإِيمان ، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال: { وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } وهى كلمة الكفر .

{ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } أى قبيحة لا نفع فيها ، ولا خبر يرجى منها .

{ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض } أى: اقتلعت جثتها وهيئتها من فوق الأرض ، لقرب عروقها وجذورها من سطحها .

يقال: اجتثثت الشئ اجتثاثا ، إذا اقتلعته واستأصلته ، وهو افتعال من لفظ الجثة وهى ذات الشئ .

وقوله: { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشئ بسهولة ، سببه عدم وجود أصل له .

أى: ليس لها استقرار وثبات على الأرض ، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ، ولا يصعد للكافر عمل ، ولا يتقبل منه شئ .

والمراد بهذه الشجرة الخبيثة: شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى الحنظلة . . .".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت