فهرس الكتاب
هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام ; والتي تقررها هذه الآية من القرآن ; هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب , أو جنس , أو وطن . أو تبادل أو تجارة . ترفعها عن هذا كله لتصلها بالله , ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان ; وتختفي فيها القوميات والأوطان ; ويتلاشى فيها الزمان والمكان . ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان .
ومن ثم يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ; لبيان حكمة مجيء الرسالة الجديدة , والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة , والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله , الموافقة لما قبلها من الدعوات , المكملة لها وفق حكمة الله وعلمه بحاجة البشر . . (إلا الذين ظلموا منهم) فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية ; وأشركوا بالله وأخلوا بمنهجه في الحياة . فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة . وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة .
وإن بعضهم ليفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين . فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم , مخالفا كل ما قاله فيهم وهو في مكة ! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه . فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم , ولم ينحرف عن دين الله . وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات .
وقولوا:آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم , و إلهنا وإلهكم واحد , ونحن له مسلمون . .
وإذن فلا حاجة إلى الشقاق والنزاع , والجدل والنقاش . وكلهم يؤمنون بإله واحد , والمسلمون يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل إلى من قبلهم , وهو في صميمه واحد , والمنهج الإلهي متصل الحلقات .
(وكذلك أنزلنا إليك الكتاب . فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به , ومن هؤلاء من يؤمن به , وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) . .
(كذلك) . على النهج الواحد المتصل . وعلى السنة الواحدة التي لا تتبدل . وعلى الطريقة التي يوحي بها الله لرسله (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) . . فوقف الناس بإزائه في صفين:صف يؤمن به من أهل الكتاب ومن قريش , وصف يجحده ويكفر به مع إيمان أهل الكتاب وشهادتهم بصدقة , وتصديقه لما بين أيديهم . . (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) . . فهذه الآيات من الوضوح والاستقامة بحيث لا ينكرها إلا الذي يغطي روحه عنا ويسترها , فلا يراها ولا يتملاها ! والكفر هو التغطية والحجاب في أصل معناه اللغوي , وهو ملحوظ في مثل هذا التعبير .
وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك . إذن لارتاب المبطلون . .
وهكذا يتتبع القرآن الكريم مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها . فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بينهم فترة طويلة من حياته , لا يقرأ ولا يكتب ; ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب الذي يعجز القارئين الكاتبين . ولربما كانت تكون لهم شبهة لو أنه كان من قبل قارئا كاتبا . فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم ?
ونقول:إنه يتتبع مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها . فحتى على فرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارئا كاتبا , ما جاز لهم أن يرتابوا . فهذا القرآن يشهد بذاته على أنه ليس من صنع البشر . فهو أكبر جدا من طاقة البشر ومعرفة البشر , وآفاق البشر . والحق الذي فيه ذو طبيعة مطلقة كالحق الذي في هذا الكون . وكل وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأن وراءه قوة , وبأن في عباراته سلطانا , لا يصدران عن بشر !
(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم , وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) . .
فهو دلائل واضحة في صدور الذين وهبهم الله العلم , لا لبس فيها ولا غموض , ولا شبهة فيها ولا ارتياب . دلائل يجدونها بينة في صدورهم , تطمئن إليها قلوبهم , قلا تطلب عليها دليلا وهي الدليل . والعلم الذي يستحق هذا الاسم , هو الذي تجده الصدور في قرارتها , مستقرا فيها , منبعثا منها ; يكشف لها الطريق , ويصلها بالخيط الواصل إلى هناك ! (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) . . الذين لا يعدلون في تقدير الحقائق وتقويم الأمور , والذين يتجاوزون الحق والصراط المستقيم .
(وقالوا:لولا أنزل عليه آيات من ربه . قل:إنما الآيات عند الله , وإنما أنا نذير مبين) . .
يعنون بذلك الخوارق المادية التي صاحبت الرسالات من قبل في طفولة البشرية . والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي يشاهدها . بينما هذه هي الرسالة الأخيرة التي تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ومن ثم جاءت آياتها الخوارق آيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه ; والذي تتفتح كنوزه لجميع الأجيال ; والذي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم , يحسونها خوارق معجزة كلما تدبروها , وأحسوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب !
(قل:إنما الآيات عند الله) . . يظهرها عند الحاجة إليها , وفق تقديره وتدبيره . وليس لي أن أقترح على الله شيئا . ليس هذا من شأني ولا من أدبي (وإنما أنا نذير مبين) . أنذر وأحذر وأكشف وأبين ; فأؤدي ما كلفته . ولله الأمر بعد ذلك والتدبير .
إنه تجريد العقيدة من كل وهم وكل شبهة . وإيضاح حدود الرسول وهو بشر مختار . فلا تتلبس بصفات الله الواحد القهار . ولا تغيم حولها الشبهات التي غامت على الرسالات حين برزت فيها الخوارق المادية , حتى اختلطت في حس الناس والتبست بالأوهام والخرافات . ونشأت عنها الانحرافات .