الصفحة 281 من 3812

والذي يلفت النظر هنا , أن الآية تعيد بالنص دعوة إبراهيم التي سبقت في السورة , وهو يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل . دعوته أن يبعث الله في بنيه من جيرة البيت , رسولا منهم , يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . ليذكر المسلمين أن بعثة هذا الرسول فيهم , ووجودهم هم أنفسهم مسلمين , هو الاستجابة المباشرة الكاملة لدعوة أبيهم إبراهيم . وفي هذا ما فيه من إيحاء عميق بأن أمرهم ليس مستحدثا إنما هو قديم ; وأن قبلتهم ليست طارئة إنما هي قبلة أبيهم إبراهيم , وأن نعمة الله عليهم سابغة فهي نعمة الله التي وعدها خليله وعاهده عليها منذ ذلك التاريخ البعيد .

إن نعمة توجيهكم إلى قبلتكم , وتمييزكم بشخصيتكم هي إحدى الآلاء المطردة فيكم , سبقتها نعمة إرسال رسول منكم:

(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) . .

فهو التكريم والفضل أن تكون الرسالة فيكم , وأن يختار الرسول الأخير منكم , وقد كانت يهود تستفتح به عليكم !

(يتلو عليكم آياتنا) . .

فما يتلو عليكم هو الحق . . والإيحاء الآخر هو الإشعار بعظمة التفضل في أن يخاطب الله العبيد بكلامه يتلوه عليهم رسوله . وهو تفضل يرتعش القلب إزاءه حين يتعمق حقيقته . فمن هم هؤلاء الناس ? من هم وما هم ? حتى يخاطبهم الله سبحانه بكلماته , ويتحدث إليهم بقوله , ويمنحهم هذه الرعاية الجليلة ? من هم وما هم لولا أن الله يتفضل ? ولولا أن فضل الله يفيض ? ولولا أنه - سبحانه - منذ البدء منحهم فضل النفخة من روحه ليكون فيهم ما يستأهل هذا الإنعام , وما يستقبل هذا الإفضال ?

(ويزكيكم) . .

ولولا الله ما زكي منهم من أحد , ولا تطهر ولا ارتفع . ولكنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلميطهرهم . يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية , ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره . ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة . والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديما وحديثا يرتكسون في مستنقع آسن وبيء من الشهوات والنزوات تزري بإنسانية الإنسان , وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة , وهي أنظف كثيرا مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان ! ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب . . وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر , ويلطخ المجتمع والحياة . ويطهر حياتهم من الظلم والبغي . وينشر العدل النظيف الصريح , الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في ظل الإسلام وحكم الإسلام ومنهج الإسلام . ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم , وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور . .

(ويعلمكم الكتاب والحكمة) . .

وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب ; وبيان للمادة الأصيلة فيه , وهي الحكمة , والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب ; وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة , ووزن الأمور بموازينها الصحيحة , وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات . . وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزكاهم بآيات الله .

(ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) . .

وكان ذلك حقا في واقع الجماعة المسلمة , فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة , تصلح لحياة القبيلة في الصحراء , أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء . فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة , خبيرة بصيرة عالمة . . وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم . وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة:القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيرا من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل .

وما يزال هذا المنهج الذي خرج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان , لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين , ولو آمنت حقا بهذا القرآن , ولو جعلته منهجا للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الأذان !

وفي آخر هذا الدرس يتفضل الله على المسلمين تفضلا آخر , وهو يدعوهم إلى شكره ويحذرهم من كفره . يتفضل عليهم فيضمن لهم أن يذكرهم إذا هم ذكروه (1)

وقال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) ( البقرة) }

وقال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) ( البقرة) }

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت