الصفحة 289 من 3812

{ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } فيه وجهان: الأول: قال القفال رحمه الله: وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني: أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر .

ثم قال تعالى: { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة }

وأعلم أنّا إن فسرنا قوله { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة } مؤكدًا لذلك الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذورًا في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى: وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر .

ثم قال تعالى: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا }

قال القفال رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } [ الشورى: 52 ] وعلى هذا الوجه تقدير الآية: أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالمًا بشيء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك .

الوجه الثاني: أن يكون المراد: وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا } وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلًا } [ الإسراء: 85 ] ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلًا ، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيمًا حيث قال { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلًا } وسمى جميع الدنيا قليلًا حيث قال { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } [ النساء: 77 ] وذلك يدل على غاية شرف العلم . (1)

وقال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125) ( الأنعام) }

أى: فمن يرد الله أن يهديه للإسلام ، ويوفقه له ، يوسع صدره لقبوله ، ويسهله له بفضله وإحسانه .

وشرح الصدر: توسعته ، يقال: شرح الله صدره فانشرح ، أى: وسعه فاتسع ، وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها . مصفاة عما يمنعه وينافيه .

روى عبد الرازق أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: كيف يشرح صدره؟ فقال:"نور يقذف فينشرح له وينفسح ، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافة عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت".

وقوله: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } أى ومن يرد أن يضله لسوء اختياره ، وإيثاره الضلالة على الهداية يصير صدره ضيقا متزايد الضيق لا منفذ فيه للإسلام . والحرج: مصدر حرج صدره حرجا فهو حرج ، أى: ضاق ضيقا شديدًا . وصف به الضيق للمبالغة ، كأنه نفس الضيق ، وأصل الحرج مجتمع الشىء ويقال: للحديقة الملتفة الأشجار التى يصعب دخولها حرجة .

وقرىء حرجا - بكسر الراء - صفة لقوله { ضَيِّقًا } .

روى أن جماعة من الصحابة قرأوا أمام عمر - رضى الله عنه -"ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا"بكسر الراء فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التى لا تصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شىء من الخير"."

وقوله { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء } استئناف ، أو حال من ضمير الوصف ، أو وصف آخر لقلب الضال ، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة .

أى: كأنما إذا دعى إلى الإسلام قد كلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيعه بحال . ويصعد أى: يتصعد ، بمعنى يتكلف الصعود فلا يقدر عليه .

وفيه إشارة إلى أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود .

وقوله: { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } أى: مثل جعل الصدر ضيقا حرجا بالإسلام ، يجعل الله الرجس . أى: العذاب ، أو الخذلان ، أو اللعنة في الدنميا على الذين لا يؤمنون بالإسلام . (2)

إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت ; وتطلق فيه نورًا بعد الظلمات . حياة يعيد بها تذوق كل شيء , وتصور كل شيء , وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة . ونورًا يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديدًا كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوره الإيمان .

(1) - تفسير الرازي - (ج 5 / ص 378)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1535)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت