الصفحة 2974 من 3812

لا ريب في أن العالم الإسلامي اليوم يعيش أيامه ولياليه في مغارة مظلمة من المؤامرات والدسائس التي تستهدف عقيدته وما يملكه من المقومات الثقافية والحضارية. فقد أنهكته المؤامرات وعمّق جرحه مكر الليل والنهار. فقد تداعت عليه الأمم من كل الأفق كما تداعى الأكلة على قصعتها.

فجُلّ ما نرى هنالك من اضطرابات طائفية وحروب أهلية مدمرة، وصراعات بين الدول المسلمة بعضها مع بعض، وحركات متطرفة قاتلة لبر هذه الأمة وفاجرها إلا وتقف من ورائها في - غالبيتها ومعظمها - الدوائر الغربية الحاقدة التي تسهر على صنع المؤامرات بأنواعها وأشكالها وتعمل على تمريرها بصورة ذكية ومدروسة.

وإذا كانت مسألة المؤامرات مسألة معروفة لا يرتاب فيها أحد، وقد شمر الكثيرون عن سواعدهم لدراسة أنماطها وطرق تمريرها، فإن الذي نود أن نشير إليه هنا هو أن ثمة أسبابًا تقود القوم إلى ممارسة هذا النوع من الأعمال المشينة، وإلا فإن النصارى، وهم غالبية الغربيين، من المفترض أن يكونوا ـ إن كانوا حقا نصارى ـ أقرب الناس مودة للإسلام والمسلمين كما ورد في القرآن الكريم وأدناهم حبًا لمبادئه وترحابًا بحقائقه.

التركيز على هذه الأسباب دراسة وتحليلًا يستحق منا اهتمامًا أكثر من التعرف على مظاهر المؤامرات وأشكالها التي لا تعد ولا تحصى والتي ترجع جميعها في النهاية إلى ذات الأسباب وذات العلل، فلو أننا تمكنا من معرفة العلل التي تنبع منها كل هذه المكايد أمكننا إيجاد العلاج المناسب لها، ولو على المدى البعيد، وحسب زعمي فإن من السهولة بمكان معرفة هذه الأسباب المحفزة للغربيين على التعامل مع العالم الإسلامي بالمؤامرات والدسائس والتي من أهمها:

1-الصورة المشوهة للإسلام عند الغربيين: فمن المعلوم أن هناك صورة مشوهة للإسلام والمسلمين قامت الكنيسة بصياغتها وترويجها في الغرب في القرون الوسطى لاستنفار الأوروبيين للمشاركة في الحروب الصليبية، وقد قام"علم الاستشراق"الذي تأسس في الغرب بغية استيعاب الإسلام ومقاومته، عبر تحطيم بنيته التحتية، بإضفاء صبغة بحثية على تلك الصورة المشوهة، مما ألقى على عيون الغربيين أغشية من الظلام بحيث لم يعودوا يرون في الإسلام أي قبس من النور، فقد غدت معلومات الإنسان الغربي العادي عن الإسلام ـ إثر رواج تلك الصورة ـ سيئة جدًا.

وبسبب غياب الحركة القوية لتبليغ رسالة الإسلام في المحيط الغربي، ظلت تلك الصورة السيئة قابعة في الذهن الغربي حتى أصبحت مع الأيام صورة راسخة في لا شعور الإنسان الغربي وإرثه الفكري والمعرفي، الأمر الذي جعله، رغم تقدمه المذهل في مجال ترويض العقل والفكر على قواعد المنهج العلمي والموضوعي في البحث والدراسة، يتخوف من الإسلام ويعتبره خطرًا عظيمًا على حضارته التي يظنها مثالية في إطار التنظير والتطبيق مما يحيد به إلى مقاومة الإسلام بأية وسيلة من الوسائل.

2-يُؤْلَف في غالبية الشعب الأمريكي البساطة في التفكير بحيث يصدق الكثيرون منهم كل ما يسمعون، وهذه البساطة تستغلها الصهيونية العالمية، عدوة الإسلام، أبشع استغلال بوضعهم تحت تأثير وسائل إعلامية متعددة تعتبر في معظمها ملكًا لها. فالعدو الصهيوني، من سياسته، الاهتمام بأي حدث سلبي يحدث في هذه البقعة من العالم الإسلامي، أو تلك ثم عرضه في ساحة الإعلام الأمريكي على اعتبار أن هذا الحدث نابع عن الإسلام وأنه يمثل المجتمعات الإسلامية جميعها.

فعلى سبيل المثال يهتم الإعلام الغربي الصهيوني اهتمامًا متزايدًا بما يحدث في بعض المناسبات المبتدعة من قيام بعض المنتسبين للإسلام بضرب رأسه ووجهه بالسكاكين والسلاسل، كما يهتم بأحداث العنف والقتل وإراقة الدماء التي تقع في بعض البلاد الإسلامية، - والتي هي الأخرى أيضًا من صنع الدوائر الصليبية والصهيونية - كل ذلك بأسلوب التهويل والتعميم لإقناع الشعب الأمريكي على الأخص وبقية العالم على أن الإسلام دين العنف والقتل وإراقة الدماء حتى يقاوموه بكل ضراوة ويعملوا على اتخاذ تدابير لازمة لتدمير مقوماته والحد من انتشاره.

ولعله من نافلة القول أن نعلن بأن الإعلام الصهيوني قد استطاع تحقيق السيطرة المطلقة على الضمير الأمريكي الذي أصبح يعتبر النهضة الإسلامية المتوقعة كابوسًا مزعجًا. فيشغل ليله ونهاره في صنع المكائد لإحباط مشاريع الإسلام النهضوية، ولتفتيت عراه حتى لا يبقى له أي صوت مسموع.

وليس الأمر بمقتصر على النفوذ الذي يمارسه الصهاينة على ساحة الإعلام الأمريكي، بل إن اليهود أصبحوا في أمريكا"اليد التي تعبث بأيدي السياسة الداخلية والخارجية معًا"، وهم الذين يتحكمون في كراسي الرئاسة والحكم ولا يستطيع أي حاكم هناك - مهما كان - أن يتحدث بغير ما يريده اليهود، وإلا عملوا على إسقاطه وربما حدث له كما حدث لجون كنيدي الذي اغتاله اليهود بعد ما تحدث بحقوق العرب في فلسطين وندَّد بتصرفات اليهود"."

وليس هذا فحسب، بل إن الأخطبوط الصهيوني قد استطاع إحكام قبضته على معظم الدول الأوروبية، وفي هذا يقول الصهاينة:"حتى اليوم تمكنا من قلب الأنظمة القائمة في معظم ممالك أوروبا، والبقية آتية لا ريب عما قريب، وثمة دول عديدة علاوة على الولايات المتحدة الأمريكية واقعة في شراكنا". كما أن الصهاينة لم يألوا جهدًا للتغلغل إلى المراكز الحساسة في المؤسسات الدولية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت