فهرس الكتاب
يمر أبو الدرداء - رضي الله عنه - على رجل قد أصاب ذنبا ، والناس يسبونه ، فأنكر عليهم صنيعهم . فقال لهم: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ، ألم تكونوا مستخرجيه ؟ قالوا: بلى . قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم ، قالوا: أفلا تبغضه ؟ قال إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي .
المعلم السابع: الترغيب والترهيب ومواقف الشدة .
كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة ، والغض عن الهفوات ، وإقالة العثرات ، ليس معارضا لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة ، والرخاء والشدة . لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق كما قال الإمام أحمد: ( والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق بلا غلظة ، إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق والردى ، فيجب نهيه . لأنه يقال . ليس لفاسق حرمة ، فالمعلن المصر لا حرمة له ) .
وطريق أنبياء الله - عليهم السلام - المذكورين في القرآن مسلوك فيه النجدين: { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } إلى قوله: { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } سورة نوح ، الآيات: 1 - 4 .
وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } سورة التغابن ، الآيات: 8 - 10 . .
ترغيب فيما وعد الله من حسن الجزاء في الدنيا ، وحسن العافية في الآخرة: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } سورة الصف ، آية: 13 . .
وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته ، والخوف من أليم عقابه عاجلا وآجلا: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } سورة هود ، آية 102 .
وبعد أيها القارئ الكريم: فلعله بملاحظة هذه المعالم وأمثالها يتحقق الخير وترشد المسالك وتؤتي الحكمة خيرها: { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } سورة البقرة ، آية: 269 .
والنفوس تملك قدرا كبيرا من التأهيل في قبول ما عند الدعاة ، وهي تحب سماع كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتستفيد من المواعظ ، وهي قريبة من الخير مستعدة له فليفقه هذه السنن الدعاة إلى الله ، وليحملوا الناس على توجيهات الشرع لا على جلبة الشارع وغوغاء العامة ، وليتجنبوا المزالق والمنعطفات الخطيرة التي يتعمد أعداء الملة من الكفار والمنافقين وضعها في الطريق .
الحادي عشر- خصائص الدعوة إلى الله
الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية
إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية . ومن ثم فهي أشد من القتل . أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة . ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي , أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله , وتزين لهم الكفر به أو الاعراض عنه . وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد , ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر , ويحسنها للناس بوسائل التوجيه ; بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج الله . ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها .
وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة , وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية . . هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام , ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني . فغاية الوجود الإنساني هي العبادة [ ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى الله ] . وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية , ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة , يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . . لذلك لم يقل:وقاتلوهم . إنما قال: (واقتلوهم) . . (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) . . أي حيث وجدتموهم .
في أية حالة كانوا عليها ; وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار .
ولا قتال عند المسجد الحرام , الذي كتب الله له الأمن , وجعل جواره آمنا استجابة لدعوة خليله إبراهيم [ عليه السلام ] وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام . . لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته , فيبدأون بقتال المسلمين عنده . وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم . . فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين , الذين يفتنون الناس عن دينهم , ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام , الذي عاشوا في جواره آمنين .
(فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) . .