فهرس الكتاب
ولم تستوف بعد الجوانب الدعوية في حياته، بحيث تكون هناك دراسات حول دعوة الشيخ وأساليبه الدعوية ومقومات نجاح الدعوة، وصفات الشيخ الدعوية، وسمات دعوته، وقد عثرت على بعض الدراسات لكنها قليلة من جهة أو قد اقتصرت على جانب ولم تشتمل على الجوانب كلها، ولا يفوتني في هذا المقام الإشادة بالرسالة الماتعة التي كتبها الشيخ عبد المحسن الباز وفقه الله، وعنوانها (رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب الشخصية دراسة دعوية) ، فقد أجاد فيها وأفاد، وأبدع في إبراز الجانب الدعوي في رسائل الشيخ، لكن بقيت بقية الجوانب والأبعاد الدعوية في حاجة إلى دراسات مماثلة والميدان شحيح والحاجة ماسة.
والذي يدعونا إلى طرق هذا الجانب عدة أسباب:
1-حاجة الدعاة إلى رؤية تجارب دعوية ناجحة.
2-إن دعوة الشيخ تعد قريبة نسبيًا من واقعنا الذي نعيشه.
3-إن دعوة الشيخ كتب لها النجاح، وحققت ما أخفقت في تحقيقه كثير من الدعوات.
4-كون الشيخ ممن جمعوا بين العلم والدعوة والعمل.
5-حرص الشيخ على اتباع السلف وإحياء السنن، فالدعوة تكون أقل عثارًا، وأفضل في جانب الاقتداء.
وبما أن الحديث عن الجوانب الدعوية في حياة المجدد طويل لا تكفيه مقالة ولا محاضرة فإني سأكتفي هنا بذكر أهم ما يتعلق بالموضوع في نقاط مختصرة إيقاظًا وتنبيهًا، ولعل الله ييسر الكتابة حول هذا الموضوع بتفصيل وبيان، والله الموفق والمعين.
1-الاتصال بولاة الأمر ودعوتهم:
منذ بدأ الشيخ دعوته في العيينة لم يجعل بينه وبين الأمراء حاجزًا يمنعه من الوصول إليهم وتبليغهم دين الله، وقد حصل الشيخ مراده عندما استجاب له أمير العيينة عثمان بن معمر، ولما تغير عليه، انتقل الشيخ بدعوته إلى أمير الدرعية محمد بن سعود الذي وفقه الله لقبول هذه الدعوة وحماية قائدها.
2-توزيع المسؤوليات:
لم يستأثر الشيخ في إدارة الدعوة بجميع الأدوار لمعرفته بأن الدعوة جهد جماعي يجب أن تتضافر فيه الجهود ويجتمع على القيام به ذوو التخصصات المختلفة، ولذا كان الشيخ يرسل بعض طلابه إلى أهل المناطق لتعليمهم أو لمناظرة المخالفين، كما أرسل مجموعة من الطلبة ليقوموا بدعوة بعض المخالفين ومذاكرته وتوضيح التوحيد له، وكان يعين الأمراء، ويدعو الوفود للالتقاء بهم وتذكيرهم بواجبهم.
3-تنظيم الأوقات:
كانت دعوة الشيخ وحياته تسير بانضباط لتحقيق أقصى الثمرات بأقل جهد ووقت ممكن، ولذا كان الشيخ ينظم أوقاته بين إلقاء الدروس والتأليف ومراسلة السائلين وكتابة الفتاوى وفي الليل كان هناك وقت للعبادة والتهجد.
4-التدرج في الدعوة والإنكار:
لا يخفى أن قبول الناس لأي دعوة لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، بل يؤخذ جرعات حتى يستسيغ الناس ذلك ويقبلوه، وهذا مما طبعت عليه النفوس لا يشذ عنه إلا نزر يسير من البشر، ولذا كان الشيخ يكتفي بالإنكار على الناس عندما يراهم حول قبة زيد بن الخطاب بقوله: الله خير من زيد، ولكنه - رحمه الله - لما وجد قبولًا من أمير العيينة شجعه ذلك على أن ينكر على أهل القبور شركهم وبدعهم باليد بعد أن أخذ الإذن من عثمان بن معمر بهدمها، بل إنه أصر على أن يصحبه الأمير عثمان بنفسه لهدمها.
5-التخطيط للدعوة:
التخطيط لأي أمر جوهر النجاح له، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطط لدعوته ونشر دين الله في الأرض وعلى منهجه سار المصلحون في الأرض، لقد كان الشيخ المجدد يخطط للدعوة بطريقة فذة، ويظهر ذلك في ميادين كثيرة، منها: أنه لما أراد قطع شجرة الذيب خرج إليها بنفسه سرًا يريد قطعها، إذ إن قطعها علانية له آثار سلبية على الدعوة والداعية لا تحمد عقباها، ومنها: مراعاة أحوال المدعوين، فللعامة كتب ورسائل وللعلماء وطلبة العلم كتب أخرى مناسبة لهم.
6-مشاركته الفاعلة في أمور الدولة:
لم يكن الشيخ أستاذًا في جامعة أو محاضرًا في مسجد أو داعية بين الجمهور فقط، بل كان - رحمه الله - يمارس الإصلاح الاجتماعي، والتوجيه السياسي، والإدارة بكل صورها وأبعادها، لقد كان - رحمه الله - يعين الأمراء أحيانًا، وربما ذهب بنفسه لحل بعض المشاكل في المناطق المجاورة، ويتولى قسمة الأموال ويختار القضاة ويرسل الدعاة.
7-توظيف التأليف لخدمة الدعوة:
تكاد تكون مؤلفات الشيخ كلها في خدمة دعوته ولم تكن بمنأى عنها، وما كان الشيخ يكتب ويؤلف ترفًا فكريًا أو ليثري المكتبة الإسلامية أو ليزيد من أعداد المؤلفات، لكنه كان يؤلف ليدعو ويصلح، وتكون مؤلفاته رافدًا عظيمًا من روافد انتشار الدعوة، ولذا كتب لتلك المؤلفات البقاء، وسارت مسير الشمس، وشرقت بها الركبان وغربت، وكثرت شروحها، وعظم انتفاع الخلق بها، ولم تقتصر مؤلفاته على التأصيل لجوانب علمية بحتة لا يفهمها إلا طلاب العلم وشراة المعرفة، بل كتب حتى لعامة الناس وخطباء المساجد ومصلحي المدارس.
8-محو الأمية الدينية: