إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة . . ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته , وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها . . وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك . فيهلك من يهلك , ويحيا من يحيا . والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة . هم الذين علموا أن لهم إلهًا واحدًا , واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد . هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . . فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله , ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ . . فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها , فنسوها وضلوا عنها , وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل . . وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين . . والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم . . يوحد حكاية ما قالوه , ويوحد ترجمته في نص واحد: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . . وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة , ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويرًا حسيًا . . ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة . .
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج"الأديان المقارنة"مع المنهج القرآني . . يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا"تطور"في مفهوم العقيدة الأساسي , الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله , وأن الذين يتحدثون عن"تطور"المعتقدات وتدرجها ; ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج"والتطور"يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائمًا بحقيقة واحدة . وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو (رب العالمين) . . الذي يحاسب الناس في يوم عظيم . . فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة , أو رب أمة , أو رب جنس . . كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة . . وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية , أو نجمية , أو"أرواحية !"أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر . . كما يزعم من يسمونهم"علماء الأديان"وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة , ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان , دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولًا بعد رسول - بالتوحيد الخالص , وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين . . ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد , مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة , بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها . . هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية . . هي هذه التي يدرسها"علماء الأديان !"ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع , وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية , أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن , فهم وما هم فيه . .والله يقص الحق وهو خير الفاصلين . .
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعًا - قد جاء إلى قومه , بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه . . فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى . ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون . وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم . حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم . . حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم . . ثم تكررت القصة . . وهكذا . .