الصفحة 329 من 3812

وهكذا تتجلى العلاقة العميقة بين الحق في هذه الدعوة , والحق الكامن في الوجود كله . ويبدو أنه حق واحد موصول بالله الحق , ثابت وطيد عميق الجذور: (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) . . وأن ما عداه هو الباطل الزائل (كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) . .

أكذلك يتمثل ذلك الجمال في شعور الرسل بحقيقة الله ربهم ; وفي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب تلك العصبة المختارة من عباده:

(وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا , ولنصبرن على ما آذيتمونا , وعلى الله فليتوكل المتوكلون) . .

وكلها لمحات من ذلك الجمال الباهر لا يملك التعبير البشري إلا أن يشير إليها كما يشار إلى النجم البعيد , لا تبلغ الإشارة مداه , ولكنها فقط تلفت العين إلى سناه . . (1) .

بيان طريق الدعوة والصبر على مشقاتها

ذلك بيان المشتبهات في العلاقة بين التوحيد الذي جاء بها إبراهيم من قبل , وكملت في الدين الأخير , والعقائد المنحرفة التي يتمسك بها المشركون واليهود . وهو بعض ما جاء هذا الكتاب لتبيانه . فليأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقه يدعو إلى سبيل ربه دعوة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة , ويجادل المخالفين في العقيدة بالتي هي أحسن . فإذا اعتدوا عليه وعلى المسلمين عاقبهم بمثل ما اعتدوا . إلا أن يغفروا ويصبر مع المقدرة على العقاب بالمثل ; مطمئنا إلى أن العاقبة للمتقين المحسنين . فلا يحزن على من لا يهتدون , ولا يضيق صدره بمكرهم به وبالمؤمنين:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة , وجادلهم بالتي هي أحسن , إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به , ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله . ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا , والذين هم محسنون) . .

على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها , ويعين وسائلها وطرائقها , ويرسم المنهج للرسول الكريم , وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن .

إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله . لا لشخص الداعي ولا لقومه . فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله , لا فضل له يتحدث به , لا على الدعوة ولا على من يهتدون به , وأجره بعد ذلك على الله .

والدعوة بالحكمة , والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم , والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها , والطريقة التي يخاطبهم بها , والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها . فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه .

وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق , وتتعمق المشاعر بلطف , لا بالزجر والتأنيب في غير موجب , ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية . فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة , ويؤلف القلوب النافرة , ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ .

وبالجدل بالتي هي أحسن . بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح . حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل , ولكن الإقناع والوصول إلى الحق . فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها , وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق , حتى لا تشعر بالهزيمة . وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس , فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها , والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة , ويشعر المجادل أن ذاته مصونة , وقيمته كريمة , وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها , والاهتداء إليها . في سبيل الله , لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر !

ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين . فلا ضرورة للجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله .

هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة . فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير , فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق , ودفعا لغلبة الباطل , على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع , فالإسلام دين العدل والاعتدال , ودين السلم والمسالمة , إنما يدفع عن نفسه وأهله البغي ولا يبغي (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) . وليس ذلك بعيدا عن دستور الدعوة فهو جزء منه . فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها , فلا تهون في نفوس الناس . والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد , ولا يثق أنها دعوة الله . فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها , والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله والعزة لله جميعا . ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس , وقيادة البشرية إلى الطريق القويم , فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون , ويعتدي عليهم فلا يردون ?! .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 289)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت