الصفحة 3290 من 3812

فدينك ينتظر منك أن تكون سفيره المبارك، وداعيته الخير، وجنديه المخلص، فإن من يعيش لنفسه، ولنزواته الزائلة، ورغباته العاجلة، يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا، ويبعث صغيرًا، ومن يعيش لدينه وأمَّته وعقيدته ومبدئه، فإنه يعيش كبيرًا، ويموت كبيرًا، ويبعث كبيرًا، والهموم على قدر الهمم.

أخي الكريم: لا يسرقك هذا الجهاز أغلى ما لديك وأعظم ما تملك وهو دينك وعقيدتك ومنهجك..

ولا ينهب عليك وعاء عمرك ومادة حياتك، وهو وقتك الغالي الذي إذا ذهب فلن يرجع حتى يعود اللبن في الضرع..

ولا تكن كالإسفنجة التي تتشرب كل وسخ، وتمتص كل قذر من زبالات فكر أعدائك الذين يمكرون بك، ويكيدون لك، ويلقون بما لديهم من شبهات وشهوات بين يديك في أحلى حلَّة، وأجمل هيئة، لتبوء بخسارة الأبد وحسرة السرمد.

أخي الكريم: اعلم بأن دينك ينتظر منك دورك الرائد، وعملك الفريد في الذب عنه، والدفاع عن حياضه، ونشر أنواره وإشراقاته في حالك الظلمات، وبين دياجير الضلالات.

ودعك من الفضول، فإن الفاضل لا يلتفت للفضول..

واحذر مما لا فائدة فيه، وما شره أقرب من خيره، وضره أعظم من نفعه، فإن الزمان عزيز، والوقت غال، والشبهات خطَّافة، والشهوات خلاَّبة، واليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، فلا تغفل!

الداعية المطلوب

محمد بن عبد الله التميمي

إن مضمار الدعوة إلى الله - تعالى - هو المضمار الذي تتسابق إليه النفوس الطموحة والعقول الواعية المفكرة لخوضه وكسب قصب السبق فيه - إي وربِّي!

نعم إنها لكذلك، وإنها لأجلُّ من ذلك... فلكم قُدِّمت لأجلها رؤوس... وأُزهقت أنفس... وأُدميت أعقاب... وذرفت دموع!...

إنها (صناعة الحياة) والآسي (1) المضمِّد لجراحات الأمة"وما أكثرها!"وهي المهندس الذي يبني (قلعة) الإسلام ويُرمِّمُ بِنْيَة جدارها الذي يُريد أن ينقضَّ، وهي الضوء ـ والخرِّيت (2) - الذي يشق العُبابات ويجلي الغبش عن نواظر الأمة ليَمدَّ لها طريقًا في الأفق يبدأ من منطلق: (( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) ) [النساء: 36] } عبر محور: (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ) [التوبة: 122] } مرورًا بمبدأ: (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ) [السجدة: 24] } كل هذا يصاغ ببوتقة: (( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ) [آل عمران: 159] (( ولا تصعر خدك للناس ) ) [لقمان: 18] }.

أَجْمِلْ بالداعية وهو يصعد عالي البحار وسافل الوهاد يَجُوبُ الأرض قائلًا: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم... ) )مذكرًا كلَّ مدَّكرٍ، ومعلمًا كل جاهل، ويدًا حنونة تعطف على من تنكَّب الجادَّة، ومَنْهلًا روِيًّا يطفئ غليل كل طاغية.. وابتسامة متفائلةً في وجه كل الصعوبات، وأمام كلِّ العقبات... وثباتًا على المبدأ عند المنعطفات وتحت وطأة كل التيارات؛ أجل... فالدعوة هي سُلَّمُ النهوض بالأمة الإسلامية من سباتها العميق ومشهدها الدامي الحزين!!

والداعية هو البطل الذي سَيَنْتَشِلُ قرة عينه (الأمة الإسلامية) من كَنَفِ الرذيلة، وحمأة الضلالة، ومنعطفات الغواية، ومن شؤم المعصية إلى حلاوة الإيمان وزورق الحياة السعيدة وجمال الحسنة وبَرِّ الأمان؛ حداؤه في برنامجه الدعوي: (( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) ) [فصلت: 33] } ليحوز الخيرية"لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (3) .

لكن (العمل الدعوي) ليس بابًا مفتوحًا على مصراعيه، أو ماءًا الناسُ فيه شركاء، لا، ثم لا.. فإن صُنَّاع الحياة لا بد لهم من معايير ومقاييس يسيرون على ضوئها؛ ومن أبرزها:

-الإخلاص والمتابعة (شرطان لذاتهما ولغيرهما) .

-المصداقية في القول والعمل.

-ترجمة (الأوامر والنواهي) إلى واقع محسوس في حياة الداعية، ثم إلى مسرح الحياة.

-الصبر. وفي الحديث:"والصبر ضياء" (4) قال الشاعر:

أحرى بذي الصبر أن يحظى بحاجته وُمْدمِنِ القرع للأبواب أن يلِجا

بل إنَّ مدارالإمامة في الدين على الصبر واليقين كما قال الحسن البصري - رحمه الله - تعالى - مصداقًا لقول الله - سبحانه: (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ) [السجدة: 24] }.

- (التأصيل العلمي) وجمع المسائل العلمية (5) - وإن كان هذا المعيار تدور حوله القضية الساخنة (العلم، والدعوة، والصراع) (6) إلا أننا ندرك أن الدعوة إلى الله - تعالى - دائرة حول (الأحكام التكليفية والوضعية) وهي مفتقرة إلى الدليل الذي يدعم حكمها - قلَّ أو كثُر - قال - صلى الله عليه وسلم:"بلِّغوا عني ولو آية" (7) وقال:"رُبَّ حاملِ فقه لا فقه له" (8) .

-صب الاهتمام بكليات المسائل من غير إذابة لجزئياتها عملًا بقاعدة: (إذا تزاحمت المصالح قُدِّمَ الأعلى منها) .

وهذه (المقاييس والمعايير) هي السلاح الذي يغدو به (الداعية إلى الله) صانعًا للحياة مؤديًا رسالته على الوجه المطلوب.

وجماع هذه المقاييس والمعايير محوران: (التحصيل العلمي الصحيح) و (المخزون الإيماني) بجانب - الخلق الدمث النبيل - وإن لم تكن هذه (المقاييس والمعايير) في جعبة الداعية فما عليه إلا أن يتنحى عن الطريق لغيره؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) الآسي: الطبيب.

(2) الخريت: الماهر.

(3) البخاري، ح/2724، ومسلم، ح/4433.

(4) مسلم، ح/328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت