والعقر:النحر . والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير . ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع , وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم .
ولقد ندم القوم على الفعلة , ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير:
(فأخذهم العذاب) . . ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل !
ثم يجيء التعقيب: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم . (1) .
فقر الناس وعجزهم أمام غنى الله وقوته
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) [فاطر/15-17] ) . .
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى , ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات الى نور الله وهداه . في حاجة الى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله . وأن الله غني عنهم كل الغنى . وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم , وهو المحمود بذاته . وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض , فإن ذلك عليه يسير . .
الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة , لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله - جل وعلا - يعنى بهم , ويرسل إليهم الرسل ; ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة الى الهدى , ويخرجوهم من الظلمات إلى النور . ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على الله ! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئًا في ملكه تعالى ! والله هو الغني الحميد .
وإن الله سبحانه يمنح العباد من رعايته , ويفيض عليهم من رحمته , ويغمرهم بسابغ فضله - بإرسال رسله إليهم , واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم , وثباتهم على الدعوة إلى الله بعد الإعراض والإيذاء . . إن الله سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلًا وكرمًا ومنًا . لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته . لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئًا بهداهم , أو ينقصون من ملكه شيئًا بعماهم . ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال , فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل .
وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل الله ومنه وكرمه , حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر , الضعيف العاجز , ينال من عناية الله ورعايته كل هذا القدر الهائل !
والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض . والأرض تابع صغير من توابع الشمس . والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم . والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة - على ضخامتها الهائلة - متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده . وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق الله !
ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية . . ينشئه , ويستخلفه في الأرض , ويهبه كل أدوات الخلافة - سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته - ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره . فيرسل الله إليه الرسل , رسولًا بعد رسول , وينزل على الرسل الكتب والخوارق . ويطرد فضل الله ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصًا يحدث بها الناس , ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم , ويحدثهم عن ذوات أنفسهم , ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات , ومن عجز وضعف , بل إنه - سبحانه - ليحدث عن فلان وفلان بالذات , فيقول لهذا:أنت فعلت وأنت تركت , ويقول لذاك:هاك حلًا لمشكلتك , وهاك خلاصًا من ضيقتك !
كل ذلك , وهذا الإنسان هو الساكن الصغير من سكان هذه الأرض , التابعة الصغيرة من توابع الشمس , التائهة في هذا الوجود الكبير حتى ما تكاد تحس ! والله - سبحانه - هو فاطر السماوات والأرض , وخالق هذا الوجود بما فيه ومن فيه بكلمة . بمجرد توجه الإرادة . وهو قادر على ان يخلق مثله بكلمة وبمجرد توجه الإرادة . .
والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته , وليستحيوا أن يستجيبوا للفضل الخالص والرعاية المجردة والرحمة الفائضة بالإعراض والجحود والنكران .
فهي من هذه الناحية لمسة وجدانية موحية , الى جانب أنها حقيقة صادقة واقعة . والقرآن يلمس بالحقائق قلوب البشر , لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس , ولأنه هو الحق وبالحق نزل . فلا يتحدث إلا بالحق , ولا يقنع الا بالحق , ولا يعرض إلا بالحق , ولا يشير بغير الحق . (2) .
دور المنافقين المسموم وسط المجتمع الإسلامي
( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ(7) [المنافقون/7، 8] ) . .
وهي قولة يتجلى فيها خبث الطبع , ولؤم النحيزة . وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان , في حرب العقيدة ومناهضة الأديان . ذلك أنهم لخسة مشاعرهم يسحبون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين .
إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضوا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلموه للمشركين !
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 353)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 395)